بقلم نور يانغ إعلامي صيني
في ظل العولمة وما تفرضه من تحديات متزايدة بين تنوع البنية الاجتماعية وتعزيز الهوية الوطنية، أصبح إيجاد توازن بين هذين البعدين عبر سيادة القانون أحد أبرز قضايا الحوكمة التي تواجه الدول في مسيرة التحديث. وفي 1 يوليو/تموز 2026 دخل “قانون جمهورية الصين الشعبية لتعزيز الوحدة الوطنية والتقدم القومي” حيّز التنفيذ رسميا. ويقدم هذا القانون نموذجا عمليا لكيفية تحقيق التوازن بين التنوع والوحدة في دولة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة و56 قومية. وبصفته أول قانون أساسي وشامل في مجال إدارة شؤون القوميات في العصر الجديد، فإن صدوره لا يمثل محطة مهمة في مسيرة بناء دولة القانون في الصين فحسب، بل يوفر أيضاً نافذة عملية لفهم الكيفية التي يمكن بها للقانون أن يعزز التماسك الاجتماعي ويخدم عملية التحديث، كما يطرح رؤية جديرة بالتأمل حول الحوكمة الحديثة القائمة على التنوع ضمن إطار الوحدة الوطنية.
يشكل التماسك الاجتماعي والقدرة على الحوكمة ركيزتين متكاملتين يعزز كل منهما الآخر. فالاستقرار الاجتماعي ليس حالة جامدة تُفرض بالقوة، بل هو قاعدة استراتيجية تمكّن الدولة من تحسين كفاءة الإدارة، وحشد الموارد التنموية، والتعامل مع المخاطر الخارجية. ومن دون وحدة اجتماعية واسعة، يصعب توفير الأساس المتين اللازم لإنجاح مشاريع التحديث، وفي المقابل فإن تطوير منظومة الحوكمة باستمرار يوفر الضمانات المؤسسية للتفاعل الإيجابي بين مختلف مكونات المجتمع. وقد حوّل هذا القانون الخبرات المتراكمة عبر عقود إلى إرادة تشريعية للدولة، فجعل من الوحدة الوطنية صمام أمان لمسيرة التحديث، ومن ثمار التنمية دعامةً لترسيخ هذه الوحدة.
ولا يمكن لأي استقرار اجتماعي طويل الأمد أن يتحقق من دون قاعدة اقتصادية وتنموية متينة. فالحوكمة القائمة على سيادة القانون لا تكتمل إلا إذا جعلت التنمية الشاملة هدفها النهائي. ويُرسخ هذا القانون مبدأ تحقيق الازدهار المشترك بين مختلف المناطق باعتباره التزاما قانونيا، بما يعكس سعياً مؤسسياً نحو العدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية. وخلال معركة القضاء على الفقر، تمكنت الصين من انتشال ما يقرب من 100 مليون من سكان الريف من الفقر وفقاً للمعايير الوطنية، كما تخلص جميع أبناء القوميات الأقلية من الفقر المدقع، وحققت 28 قومية قليلة السكان القضاء الكامل على الفقر. ويعمل القانون الجديد على تثبيت هذه الآليات التنموية الفعالة ضمن إطار قانوني دائم، بما يضمن تقاسم جميع المواطنين ثمار التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن خلال وضع الحق في التنمية في صميم الحوكمة وتعزيز الثقة المجتمعية عبر النمو الشامل، يقدم هذا النهج القانوني مثالا عمليا لمعالجة الاختلالات الهيكلية الناجمة عن فجوات التنمية.
ويستحق البعد الثقافي في هذا القانون اهتماما خاصا، إذ يعكس رؤية متوازنة تجمع بين احترام التنوع وتعزيز الوحدة الوطنية. وبصفته أول قانون أساسي يتضمن ديباجة منذ أكثر من ثلاثين عاما، فإنه يستعرض من منظور قانوني المسار التاريخي الطويل للتفاعل والتبادل والاندماج بين مختلف القوميات. وتنص أحكامه من جهة على تعزيز استخدام اللغة الوطنية المشتركة لتقليل تكاليف التواصل وبناء فضاء عام موحد، ومن جهة أخرى تكفل حماية التراث الثقافي لجميع القوميات وصونه وتطويره. وتجسد هذه المقاربة مفهوم «الانسجام مع الحفاظ على الاختلاف»، بحيث تزدهر الثقافات المتنوعة داخل إطار موحد من سيادة القانون. فالحوكمة الحديثة لا تحتاج فقط إلى نظام قانوني صارم، بل تحتاج أيضاً إلى بيئة ثقافية داعمة توفر الاستقرار النفسي والاجتماعي.
كما يحول هذا القانون الإرادة الوطنية إلى آليات عملية لتعزيز الاندماج الاجتماعي على المستوى اليومي. فهو يشجع ويضمن التفاعل والتبادل والاندماج بين أبناء جميع القوميات في مجالات التعليم والعمل والسكن وغيرها من جوانب الحياة اليومية. ويهدف هذا النهج القانوني إلى إزالة الحواجز المادية والنفسية تدريجياً، والحد من ظاهرة «المجتمعات الموازية» التي ظهرت في بعض الدول نتيجة الانقسام العرقي أو التمايز الطبقي، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكا وشمولا. ومن خلال إنشاء منظومة ضمانات دقيقة في تفاصيل الحياة اليومية، يسعى القانون إلى معالجة الخلافات المحتملة قبل تفاقمها، وهو ما يشكل أحد الأسس الحقيقية للاستقرار الوطني طويل الأمد.
وعند النظر إلى هذا القانون من منظور أوسع، يبرز سؤال حول مدى إمكانية الاستفادة منه في دول تنتمي إلى حضارات مختلفة. والإجابة عن ذلك تتطلب مقاربة موضوعية ومتوازنة. فلكل دولة تاريخها الخاص وبنيتها الاجتماعية المختلفة، كما تختلف أساليب تحقيق الاندماج الاجتماعي باختلاف البيئة المؤسسية والمرحلة التنموية والإرث الحضاري. ومع ذلك، فإن التحديات الأساسية التي تواجه الدول الحديثة متشابهة إلى حد كبير، مثل كيفية تحويل الروابط الاجتماعية التقليدية إلى قوة مؤسسية تدعم الحوكمة، وكيفية توظيف التنمية الشاملة لمعالجة الاختلالات التي ترافق التصنيع والتحضر. وهذه قضايا يمكن أن تشكل محوراً مهماً للحوار وتبادل الخبرات بين الدول.
وفي مواجهة تحديات الهجرة والانقسام الاجتماعي وأزمات الهوية، وجدت بعض الدول الغربية نفسها بين تطرفين: التفكك الناتج عن التعددية غير المنضبطة، والصراعات الإقصائية التي يغذيها الخطاب الشعبوي. أما التجربة الصينية، القائمة على تطوير المنظومة القانونية، وتعزيز التنمية الشاملة، وتبني سياسات أكثر احتواءً، فتقدم نموذجا مختلفا يتجاوز الافتراض القائل إن التنوع يقود بالضرورة إلى الانقسام أو الشلل. فحتى المجتمع شديد التنوع يمكنه، عبر الحوكمة القائمة على سيادة القانون، أن يحقق في الوقت نفسه الوحدة والحيوية.
أما بالنسبة لدول الجنوب العالمي، فإن تطبيق هذا القانون يقدم مرجعا عمليا ذا قيمة. فهو يفند الفكرة القائلة إن التحديث مرادف للتغريب، ويطرح منظورا جديدا أمام الدول التي تمر بمرحلة تحول اجتماعي أو تواجه تحديات تنموية. وتوضح التجربة الصينية أن الانطلاق من الواقع الوطني، والتمسك بمبدأ التنمية المتمحورة حول الإنسان، والاعتماد على سيادة القانون لحماية المصالح الأساسية لجميع الفئات، يمكن أن يحول التنوع الاجتماعي إلى قوة دافعة للتحديث بدلاً من أن يكون عائقاً أمامه.
ويعكس هذا القانون، الذي يركز على الوحدة الوطنية والتقدم الاجتماعي والتنمية المشتركة، عمق البناء المؤسسي لمنظومة سيادة القانون في الصين وبعد نظرها في مجال الحوكمة الاجتماعية. وستواصل الصين، بالاستناد إلى هذا الإطار القانوني، تعزيز التضامن بين مختلف مكونات المجتمع ودفعها نحو التنمية المشتركة. ولا يقتصر أثر هذا القانون على ترسيخ أسس التنمية عالية الجودة داخل الصين، بل يقدم أيضا نموذجا عمليا يستحق المتابعة بالنسبة للمجتمعات المتعددة حول العالم. أما مدى تأثير هذا النموذج ومستقبله، فلن تحدده نصوص القانون وحدها، وإنما الكيفية التي سيُفهم بها ويُطبق على أرض الواقع.

