عاجل
الأربعاء. يوليو 15th, 2026

“العدالة التقديرية” بين القوة الناعمة والقوة الهيكلية ! ​بقلم د/ عائشة الدجدج

اياد محمداياد محمد 15, يوليو 2026 13:07:57

​تُقاس قوة الدول في العصر الحديث بقدرتها على حشد طاقات مجتمعاتها وتوجيهها نحو البناء والتنمية الشاملة. ويُعد “التقدير الاجتماعي” و”الاحتفاء بالرموز” من أهم الأدوات التي تشكل وعي الشعوب وتوجه اهتمامات الأجيال الناشئة.
وفي الوقت الذي تشهد فيه رياضة كرة القدم—زخمًا إعلاميًا واحتفاءً رسميًا وشعبيًا هائلاً عند تحقيق البطولات، تبرز حاجة ملحة لإعادة النظر في مستويات التقدير والاحتفاء الموجهة للعلم والتعليم والعلماء فى كافة مجالات العلوم والمعرفة ولرواد العلوم والتكنولوجيا والطب والهندسة.
فإذا كان الفوز الرياضي يرفع علم الوطن مؤقتًا في المحافل الدولية، فإن التقدم العلمي والابتكار الهندسي والطبي يرسخ مكانة الدولة بشكل دائم ويدفع عجلة اقتصادها القومي.
​فالاحتفاء يسهم فى تشكيل “الوعي الجمعي” للأجيال ،
إذ تؤكد النظريات الاجتماعية والتربوية أن المجتمعات تعيد إنتاج قيمها من خلال الرموز التي تصنعها وتسلط عليها الأضواء.
كذلك ​صناعة القدوة ، فعندما يرى الأطفال والشباب أن لاعبي كرة القدم يحظون بالثراء، والوجاهة الاجتماعية، والتكريم الرئاسي، والتغطية الإعلامية على مدار الساعة، فمن الطبيعي أن يتجه طموحهم نحو الرياضة كمسار وحيد للنجاح والتقدير.

و​فى المقابل فإن غياب النموذج العلمي يؤدي الى تهميش الإنجازات العلمية والبحثية إعلاميًا، و شعور الباحثين والعلماء بالعزلة وعدم التقدير، مما يسهم في ظاهرة “هجرة العقول” بحثًا عن بيئات تقدر إسهاماتهم ماديًا ومعنويًا.
لذا فمن الضروري إحداث التكافؤ التنموي بين القوة الناعمة والقوة الهيكلية ،
فلا يمكن إنكار أن الرياضة تُمثل جزءًا هامًا من “القوة الناعمة” لأي دولة، ورفع اسم مصر في بطولة كؤوس العالم أو الأمم الأفريقية يبعث على الفخر الوطني والتماسك المجتمعي. ولكن بالتحليل الأكاديمي، نجد فرقًا جوهريًا :
​الأثر المؤقت مقابل الأثر المستدام ، فالفوز في مباراة كرة قدم ينتهي أثره التنموي بإنتهاء صافرة الحكم والاحتفالات المصاحبة له. أما إبتكار طبي يقضي على مرض متوطن، أو تصميم هندسي يحل أزمة مياه وطاقة، أو تطوير برمجيات ذكاء اصطناعي، هي إنجازات ترفع إسم مصر في التقارير الدولية للتنمية البشرية، وتحسن جودة حياة ملايين المواطنين لعقود قادمة.
​فالأمن القومي والتنمية المستدامة يتوقفان على مقدار التقدم فى قطاعات الصحة، والتعليم، والهندسة، فهي الركائز الأساسية للأمن القومي بمفهومه الشامل، وتكريم النابغين في هذه المجالات هو استثمار مباشر في القوة الهيكلية والاقتصادية للدولة.

وفيما يلى ​آليات مقترحة لتحقيق العدالة التقديرية بين القوى الناعمة والقوي الهيكلية .
​ ضرورة تبني استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد تشمل ما يلى :
الرعاية الإعلامية الشاملة:
* إطلاق برامج إعلامية جماهيرية مخصصة لتغطية مسابقات البحث العلمي والابتكارات الهندسية والطبية بذات الإبهار البصري والإخراجي المستخدم في الاستوديوهات التحليلية للمباريات.
* ​منظومة جوائز وحوافز موازية:
* تأسيس جوائز وطنية كبرى للعلماء والنابغين تضاهي المكافآت المالية الممنوحة لأبطال الرياضة، بحيث يشعر الباحث أن تفوقه العلمي يضمن له حياة كريمة وتقديراً مادياً لائقاً.
* ​الدعم المجتمعي والشركات:
* حث القطاع الخاص والشركات الكبرى على رعاية الموهوبين في مجالات العلوم (STEM) تمامًا كما ترعى الأندية واللاعبين، مما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار العلمي.
​خاتمة:
​في الختام، إن الدعوة للاحتفاء بالعلماء والنابغين في مجالات التعليم والصحة والهندسة لا تعني بحال من الأحوال التقليل من شأن الرياضة أو إنجازات أبطالنا في كرة القدم الذين نفتخر بهم ويسعدون قلوب الملايين. بل هي دعوة لإرساء مبدأ “العدالة التقديرية”. إن الدولة التي تطمح لتبوء مقعد الصدارة في النظام العالمي الجديد يجب أن تمشي على قدمين متساويتين: قدم القوة الناعمة والترفيهية، وقدم المعرفة والابتكار العلمي. وعندما يحظى العالم والمهندس والطبيب بذات الحفاوة والتكريم التي يحظى بها لاعب الكرة، سنكون قد وضعنا اللبنة الأساسية في بناء نهضة مصرية حقيقية ومستدامة ترفع اسم الوطن عاليًا في سماء العلم والمعرفة.



اخبار مرتبطة