انصرف سليمان من خيمة الطيور متجهًا إلى قصره، وكان مشغولًا بأمر الهدهد، إذ كان من المفترض أن يكون جزءًا من جهاز الاستطلاع. وتساءل في نفسه: هل ذهب ليستطلع شيئًا، أم أنه يلعب؟
كان سليمان يعلم أن الهدهد ذكي وفصيح، ويميل إلى الشقاوة واللعب قليلًا، ثم يؤدي عمله في الساعات الأخيرة من الليل.
كيف كانت المواجهة بين سليمان والهدهد حين وصل؟
حين وصل الهدهد إلى خيمة الطيور بعد غيبة لم تكن طويلة، قالت له الطيور: اذهب على الفور إلى سيدنا سليمان قبل أن يعرف أنك وصلت ولم تسلّم نفسك.
عندئذ طار الهدهد، ودخل على سليمان وهو جالس يتناول طعامه. ووقف الهدهد، وقرر أن يبدأ الحديث مع سليمان قبل أن يسأله عن مكان غيابه، وكأنه يريد أن يثبت براءته.
قال الهدهد، كما ورد في الآية (22) من سورة النمل:
﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
كان كلام الهدهد مباشرًا، وكأنه يقول لسليمان: أنا الهدهد، وقد عرفت ما لا تعرفه أنت، وجئتك من مملكة سبأ بنبأ بالغ الأهمية.
سكت سليمان، منتظرًا أن يكمل الهدهد حديثه.
قال الهدهد، كما ورد في الآيتين (23 و24) من سورة النمل:
﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
سكت الهدهد قليلًا، وأحس سليمان أن الهدهد يستجمع كل فصاحته، وينتقي كلماته بعناية، ويتحدث كما كان سليمان يعلمه للناس والطيور.
ثم قال الهدهد، كما ورد في الآيتين (25 و26) من سورة النمل:
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
ما معنى «الخبء»؟
الخبء هو كل ما كان مخبوءًا أو مستترًا أو خفيًّا، والمراد به هنا ما استتر في السماوات والأرض من الأرزاق وغيرها مما لا يعلمه إلا الله.
فمن خبء السماء المطر، ومن خبء الأرض النبات والماء الكامن في باطنها.
هل استطاع الهدهد أن يقنع سليمان؟
هذا ما نستمع إليه في الجزء العاشر، إن شاء الله.

