د. طارق هلال يكتب :جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (9)

العالم الآنالعالم الآن 19, أكتوبر 2026 09:10:08

جحا… والتاجر الذي باع عقله

كان يا ما كان…وفي صباحٍ غير عادي…تجمع أهل القرية أمام دكان جديد، ازدحم بالناس حتى أغلق الطريق. وعلقت فوق بابه لافتة كبيرة كتب عليها: “جرّبها مرة… وستنسى همومك كلها!” وقف الناس في طابور طويل، وكل من يخرج من الدكان يبدو سعيداً على غير عادته.

مر ابن جحا، فتوقف مندهشاً. وقال: “أبي… يبدو أن هذا الرجل اكتشف سر السعادة!” ابتسم جحا، لكنه لم يقترب. بل جلس على مقعد خشبي في الجهة المقابلة، وكأنه ينتظر شيئاً. أما الابن، فلم يستطع مقاومة فضوله. قال:

“سأدخل لدقيقة واحدة فقط”. دخل…ثم خرج بعد دقائق، وعلامات الدهشة على وجهه. قال: “كل الناس يشترون منه زجاجات صغيرة”. سأله جحا: “وماذا قال لك التاجر؟”. أجاب:

“قال إنها تنسي الإنسان تعبه، وتجعله ينسى مشاكله، ولو لساعات”. هز جحا رأسه في صمت. وبعد أيام…عاد الأب والابن إلى السوق. فوجدا الطابور قد أصبح أطول. لكن الوجوه هذه المرة كانت مختلفة. شاحبة…مرهقة…قلقة…ورغم ذلك…كان الجميع ينتظر دوره ليشتري زجاجة جديدة.

تعجب الابن وقال: “إذا كانت تجعلهم سعداء…فلماذا تبدو عليهم كل هذه الكآبة؟”. ابتسم جحا وقال: “لأنهم لم يعودوا يشترون الزجاجة…” .”بل يشترون الوهم”.

وفي تلك اللحظة…اقترب الحمار من باب الدكان، ونظر إلى الطابور طويلاً، ثم قال: “في أول مرة…يدفعون ثمن الزجاجة”. وسكت قليلاً…ثم أردف: “وبعدها…تدفع الزجاجة ثمنهم”.

ساد الصمت. خرج شاب من الدكان يبحث في جيوبه. لم يجد نقوداً. فنزع ساعته وباعها. وبعده خرج آخر، باع هاتفه. وثالث…ترك عمله. ورابع…ترك أسرته. نظر الابن إلى أبيه وقال بصوت منخفض: “لم أكن أظن أن شيئاً صغيراً…يمكن أن يسرق كل هذا”.

وقف جحا، واتجه نحو اللافتة المعلقة فوق الدكان. وقرأها مرة أخرى: “جرّبها مرة… وستنسى همومك كلها!”. ثم ابتسم وقال: “لقد صدق الرجل…”….تعجب الابن. فسأله: “كيف؟” قال جحا: “لأنها لم تنسهم همومهم فقط…بل أنستهم أحلامهم…وصحتهم…وأهلهم…وأنفسهم”.

فهز الحمار ذيله وقال: “ما أسهل أن يبيع الإنسان شيئاً لا يملك…وما أصعب أن يسترد عقلاً باعه بيده”.

الإدمان لا يبدأ دائماً برغبة في الهلاك، بل قد يبدأ برغبة في الهروب من الألم أو الضغوط أو الفراغ. لكن ما يبدو حلاً سريعاً، يتحول مع الوقت إلى قيدٍ يسلب الإنسان حريته وإرادته. وليس الإدمان مقتصراً على المخدرات وحدها، لكنه يبقى أخطرها لأنها لا تسرق المال فقط، بل تسرق الصحة، والعلاقات، والمستقبل. القوة الحقيقية ليست في أن تقول: “أستطيع أن أجرب”. بل في أن تقول: “أعرف متى أرفض”. فكل قرار صحيح تتخذه اليوم… قد ينقذ مستقبلك غداً.
حكمة جحا
“ليس كل ما يريحك… ينفعك.فبعض الطرق تبدأ بخطوة صغيرة… وتنتهي بفقدان الطريق كله”.


#د.طارق هلال يكتب :جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (1)

اخبار مرتبطة