عاجل
الأحد. سبتمبر 6th, 2026

من إسطنبول إلى مواقع تصوير المسلسلات.. كيف تحولت الدراما التركية إلى قوة ناعمة تصنع السياحة وتعيد تقديم تركيا للعالم؟

اياد محمداياد محمد 6, سبتمبر 2026 19:09:04

لم تكن الجولة بين استديوهات تصوير المسلسلات التركية مجرد زيارة لمواقع إنتاج تلفزيوني، بقدر ما كانت رحلة لاكتشاف كيف يمكن لقصة تُكتب على الورق، ثم تتحول إلى مشاهد أمام الكاميرا، أن تغادر الشاشة لتصنع صورة كاملة لبلد وشعب وثقافة.

ضمن برنامج «الرواية العالمية للعلامة التجارية التركية: المسلسلات التلفزيونية التركية»، نظمت إدارة الاتصالات برئاسة الجمهورية التركية برنامج زيارات لوفد من الصحافة الدولية، للتعرف عن قرب على صناعة الدراما التركية، ومواقع التصوير والاستديوهات التي أصبحت جزءاً من ذاكرة ملايين المشاهدين حول العالم.

ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن الهدف لا يقتصر على مشاهدة أماكن تصوير الأعمال الدرامية، وإنما فهم التجربة التي تقف خلف هذه الصناعة، وكيف نجحت تركيا في تحويل المسلسل من منتج ترفيهي إلى وسيلة للتعريف بالمدن والتاريخ واللغة والموسيقى والعادات، وصولاً إلى التأثير في خيارات السائح نفسه.

عندما يبحث المشاهد عن المكان الذي شاهده على الشاشة

ربما كانت المفارقة الأجمل في الرحلة أن كثيراً من الأماكن التي تبدو للمشاهد مجرد خلفية للأحداث، تتحول بعد نجاح المسلسل إلى وجهة بحد ذاتها.

المشاهد الذي تابع قصة حب أو صراعاً سياسياً أو أحداثاً تاريخية داخل قصر أو حي شعبي، لا يكتفي أحياناً بنهاية الحلقة الأخيرة؛ بل يبدأ في البحث عن المكان الحقيقي، ويصبح السؤال: أين صُوّر هذا المشهد؟ وهل يمكنني زيارة المكان؟

وهنا تبدأ رحلة أخرى خارج الشاشة.

المقاهي والمطاعم والمتاجر، الأزياء التاريخية، الخيول، الأسواق التقليدية، الحرف اليدوية والعروض الفنية، كلها أصبحت جزءاً من تجربة سياحية تستفيد من شعبية الدراما.

لم يعد السائح يأتي فقط ليرى إسطنبول، بل يأتي أحياناً بحثاً عن إسطنبول التي شاهدها في المسلسل.

بيكوز كوندورا.. التاريخ الصناعي أمام عدسة الكاميرا

في بيكوز كوندورا *Beykoz Kundura، تبدو العلاقة بين التاريخ والسينما أكثر وضوحاً.

المكان الذي بدأ قبل قرون في العصر العثماني كموقع صناعي مرتبط بصناعة الجلود والأحذية، أصبح اليوم مساحة ضخمة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني والثقافي.

المباني القديمة والأسقف المرتفعة والمساحات المفتوحة، إلى جانب موقعه على ضفاف البوسفور، تمنح صناع الدراما ما يصعب أحياناً بناؤه داخل استديو مغلق: مكاناً حقيقياً يحمل ذاكرة المكان في تفاصيله.

وخلال الجولة، يمكن للزائر أن يرى كيف يستطيع موقع تاريخي واحد أن يجمع بين الإنتاج الفني والفعاليات الثقافية والسياحة.

وقد ارتبط المكان بتصوير أعمال تركية معروفة، من بينها Hatırla Sevgili وÖyle Bir Geçer Zaman وVatanım Sensin وİstanbullu Gelin وArka Sokaklar.

كما يضم الموقع كوندورافي منطقة بيكوز Kundura Cinema وKundura Stage، ليواصل دوره في السينما والفنون إلى جانب وظيفته كموقع تصوير.

بوزداغ فيلم.. الدخول إلى عالم المسلسل

إذا كان بيكوز كوندورا يقدم تجربة المكان الحقيقي، فإن بلاتوه بوزداغ Bozdağ Film Plateau يقدم تجربة مختلفة تماماً: أن تدخل أنت بنفسك إلى العالم الذي اعتدت مشاهدته على الشاشة.

هنا لا تبدو الديكورات مجرد جدران مصطنعة أمام الكاميرا.

الأسواق والأحياء والبيوت والقصور والمساحات المفتوحة صممت لتكوين عالم تاريخي متكامل يخدم الأعمال الدرامية، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى مساحة يمكن للجمهور زيارتها.

وهناك يستطيع الزائر ارتداء الملابس التاريخية، وركوب الخيل، وتجربة الرماية، ومشاهدة العروض التي تستخدم الخيول والرقصات المستوحاة من التاريخ، فضلاً عن التجول في الأسواق وتناول الطعام التركي التقليدي.

وفي المكان نفسه، يشعر الزائر أن الحدود بين الدراما والواقع أصبحت أقل وضوحاً.

فما كان في الأصل ديكوراً لخدمة الكاميرا أصبح الآن تجربة سياحية قائمة بذاتها.

وترتبط استديوهات بوزداغ بأعمال تاريخية واسعة الانتشار، من بينها Diriliş Ertuğrul وKuruluş Osman.

خلف الكاميرا.. صناعة أكبر مما يراه المشاهد

أما زيارة مواقع التصوير التابعة TRT، فتمنح الصحفي القادم من خارج تركيا فرصة مختلفة لفهم حجم الصناعة التي تقف خلف الصورة النهائية التي يشاهدها الجمهور.

ديكورات واسعة، أزياء، إكسسوارات، أسواق، قصور، قلاع، حدائق ومساحات مصممة بعناية، كلها عناصر تدخل في صناعة عالم درامي قادر على إقناع المشاهد بأنه أمام حقبة تاريخية حقيقية.

وهنا يمكن إدراك أن نجاح الدراما التركية لم يأت من القصة وحدها، وإنما من منظومة إنتاج كاملة تعمل على التفاصيل، وتعرف أن المشاهد الدولي لا يشتري الحكاية فقط، وإنما يصدق العالم الذي تقدم إليه.

طوبقابي.. عندما يلتقي التاريخ الحقيقي بالدراما

في قصر طوبقابي، تتغير طبيعة الرحلة.

هنا لا نتجول داخل ديكور بناه صناع الدراما، وإنما داخل أحد أهم المواقع الحقيقية المرتبطة بتاريخ الدولة العثمانية.

القصر الذي كان مركزاً للحكم ومقراً للسلاطين لقرون طويلة، تحول إلى واحد من أهم المعالم السياحية في إسطنبول، لكنه ظل حاضراً بقوة في المخيلة التي صنعتها الدراما التاريخية.

ويأتي مسلسل Muhteşem Yüzyıl – (حريم السلطان) في مقدمة الأعمال التي أعادت تقديم الحياة العثمانية والقصور والسلاطين إلى جمهور عالمي واسع.

وهكذا تلتقي هنا روايتان: رواية التاريخ كما تحفظها المواقع والوثائق، ورواية الدراما التي أعادت تقديم هذا التاريخ بلغة تصل إلى ملايين المشاهدين.
البوسفور.. النجم الصامت في المسلسلات التركية
ثم يأتي البوسفور.
ربما لا يحتاج هذا المكان إلى مسلسل كي يصبح وجهة سياحية، لكنه أصبح مع الدراما التركية جزءاً من الصورة التي يتخيلها العالم عن إسطنبول.

السفن التي تعبر بين آسيا وأوروبا، القصور المطلة على المياه، المنازل التاريخية، الجسور، والمشهد الذي يجمع القارتين في مدينة واحدة، كلها تحولت إلى خلفية متكررة في الدراما.

وبالنسبة للمشاهد العربي أو الأوروبي أو الآسيوي، قد تكون هذه الصور هي أول علاقة بصرية له مع إسطنبول قبل أن تطأ قدماه المدينة.

ومن هنا يصبح البوسفور أكثر من موقع سياحي؛ يصبح جزءاً من الهوية البصرية للدراما التركية.
بلاط وفينير.. حين تمنح الدراما الأحياء الشعبية حياة جديدة
لكن القوة الحقيقية للدراما لا تظهر فقط في القصور والمواقع التاريخية.

في أحياء مثل حي بلاط Balat وفينير Fener، تظهر إسطنبول الشعبية بتفاصيلها اليومية، بأزقتها الضيقة ومنازلها الملونة وشوارعها القديمة.

وقد ارتبطت هذه المناطق بعدد من الأعمال الدرامية، من بينها Çukur وEzel وCennet Mahallesi.

ومع الوقت، أصبحت بعض هذه المواقع معروفة لدى جمهور المسلسلات، وتحولت تفاصيلها اليومية إلى عناصر جذب للزوار.

المقهى، الشارع، البيت، الدكان وحتى زاوية التصوير يمكن أن تتحول إلى جزء من ذاكرة المشاهد.

وهذه إحدى أهم نقاط قوة الدراما كقوة ناعمة: أنها لا تقول للمشاهد «اذهب إلى تركيا»، وإنما تجعله يرغب في الذهاب إليها من تلقاء نفسه.

الصحافة الدولية ترى ما وراء الشاشة

وتمنح مثل هذه الزيارات الصحفيين الدوليين فرصة للنظر إلى التجربة من زاوية مختلفة.

فبدلاً من متابعة المسلسل باعتباره منتجاً ترفيهياً فقط، يصبح ممكناً رؤية شبكة واسعة من الصناعات والأنشطة التي تتحرك حوله: شركات الإنتاج، مواقع التصوير، السياحة، المطاعم، الحرف، الأزياء، الفنون، وحتى تعلم اللغة التركية.
ومن هنا تبدو الدراما التركية نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الثقافة الشعبية في بناء صورة دولية للدولة.
من مسلسل إلى علامة تجارية وطنية
القصة في النهاية ليست قصة مسلسل واحد أو موقع تصوير واحد.

إنها قصة صناعة استطاعت أن تجعل المشاهد يتعرف إلى تركيا من خلال شخصياتها وحكاياتها ومدنها وتاريخها.

فالمسلسل قد يبدأ كعمل فني، لكنه يستطيع أن ينتهي في مكان آخر تماماً: على متن طائرة تحمل سائحاً يريد أن يرى بنفسه الشارع الذي ظهر في الحلقة، أو القصر الذي عاش فيه بطل العمل، أو السوق الذي مر منه أحد نجومه.
وهنا تحديداً تظهر قيمة الدراما كقوة ناعمة.
إنها لا تفرض صورة تركيا على العالم، بل تقدمها من خلال الحكاية، ثم تترك للمشاهد مهمة اكتشافها.

وربما كان هذا هو سر النجاح الحقيقي: أن تتحول الشاشة من نافذة يرى العالم من خلالها تركيا، إلى دعوة مفتوحة للسفر إليها.



اخبار مرتبطة