بينما كانت الصواريخ تتجه إلى إيران، كانت القاهرة تستقبل الصين. وبينما تتسع دائرة النار في الإقليم، كانت مصر تكتب مع بكين ملامح مختلفة للتعامل مع المنطقة.
الشرق الأوسط يعيش لحظة شديدة التعقيد: مواجهة أمريكية إيرانية تتصاعد، ومواقع أمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة يدخلون دائرة الاستهداف، ومضيق هرمز يتحول إلى ورقة ضغط على الطاقة والتجارة، وروسيا تحاول العودة إلى مساحة التفاوض الدولي، والصين توسع حضورها السياسي والاقتصادي، بينما تجد مصر نفسها في الوقت نفسه أمام ضغوط مرتبطة بالمال وإيران والنيل.
وفي قلب هذه اللحظة يصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة. فالزيارة لم تأتِ في فراغ. فقد دعا شي من القاهرة إلى تصور جديد للأمن في الشرق الأوسط يقوم على أمن مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، ورفض التدخل الخارجي، مع تعزيز قدرة دول المنطقة على إدارة شؤونها ومستقبلها. وبالتوازي، اتفقت القاهرة وبكين على تعميق التعاون في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعة وسلاسل الإمداد وغيرها.
وهنا تبدأ أهمية المشهد. الضربات الأمريكية على إيران لم تعد مجرد عملية عسكرية محدودة. فالتصعيد وصل إلى منشآت وقدرات مرتبطة بالدفاع والاتصالات والمجال البحري، بينما ردت طهران باستهداف مواقع أمريكية في المنطقة. والنتيجة أن المواجهة لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران، بل أصبحت قادرة على التأثير في أمن الخليج والملاحة والطاقة والاقتصاد العالمي.
وهذه هي أخطر نقطة. كلما اتسعت دائرة التصعيد، أصبحت دول الخليج أمام معادلة صعبة: لا تريد إيران قوية إلى درجة تهدد أمنها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حرباً مفتوحة تستنزف اقتصاداتها وتضرب التجارة والطاقة.
ولهذا تتعامل دول الخليج مع المشهد بسياسة متعددة المسارات: علاقات أمنية مع الولايات المتحدة، وشراكات اقتصادية متنامية مع الصين، وقنوات اتصال مع طهران. إنها سياسة تقليل المخاطر، لا سياسة اختيار معسكر واحد.
وفي المقابل، تتحرك روسيا بطريقة مختلفة. فموسكو تحاول إبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع واشنطن، رغم استمرار الخلافات الكبرى حول أوكرانيا. وهذه الحركة تكشف أن النظام الدولي الجديد لا يقوم فقط على المواجهة، وإنما على إدارة التناقضات أيضاً.

واشنطن تضغط على إيران، لكنها لا تغلق باب التفاوض مع روسيا. والصين توسع حضورها الاقتصادي والسياسي. وأوروبا تحاول الحفاظ على تماسكها داخل المعسكر الغربي، بينما تبحث دول المنطقة عن مساحة أوسع للحركة.
وهنا تظهر مصر. القاهرة لا تبدو في طريقها إلى استبدال واشنطن ببكين، ولا تملك مصلحة في ذلك. لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تكون علاقاتها الدولية محكومة بمنطق «إما معنا أو ضدنا».
الولايات المتحدة شريك مهم، والصين شريك متنامٍ، وروسيا لها حضورها، والخليج شريك رئيسي، وأوروبا طرف اقتصادي وسياسي أساسي. هذه ليست سياسة محاور. إنها سياسة توسيع مساحة الحركة.
لكن توسيع مساحة الحركة يعني أيضاً أن مصر أصبحت أكثر تعرضاً لاختبارات القوى الكبرى. ويظهر ذلك بوضوح في ملف بنك مصر بالإمارات. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءً يستهدف عمليات بنك مصر في الإمارات، متهمة الفرع بمعالجة نحو 1.8 مليار دولار خلال الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026 لصالح 103 شركات قالت إنها قد تكون مرتبطة بشبكات مصرفية إيرانية غير رسمية. والإجراء الأمريكي يستهدف الفرع الإماراتي تحديدًا، بينما أكد البنك المركزي المصري أن الإجراءات لا تمتد إلى بنك مصر داخل مصر أو إلى البنوك المصرية الأخرى.
المهم هنا هو التمييز بين السبب المعلن والدلالة السياسية المحتملة. السبب المعلن أمريكياً هو مكافحة شبكات إيران المالية والحد من قدرة طهران على الوصول إلى النظام المالي العالمي. أما الدلالة الأوسع، فتتمثل في أن واشنطن تستخدم النظام المالي كأداة ضغط شديدة الفاعلية، وتريد من المؤسسات المالية في المنطقة أن تتحرك داخل حدود العقوبات الأمريكية.
وهذا اختبار حقيقي لمصر، لكنه ليس اختباراً لاختيار الصين أو أمريكا. إنه اختبار لقدرتها على حماية استقلال حركتها الاقتصادية، في نظام مالي ما زالت الولايات المتحدة تمتلك داخله أدوات ضغط هائلة.
ثم يأتي ملف النيل وإثيوبيا ليضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فواشنطن أبدت استعدادًا لاستئناف الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مياه النيل وسد النهضة. وقد أكد مسؤولون أمريكيون أن الرئيس ترامب يريد إعادة دفع المسار التفاوضي للوصول إلى حل مستدام للنزاع.
لكن ملف النيل لم يعد قضية مياه منفصلة. إنه يرتبط بالقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وأمن الملاحة، والسودان، وتوازنات القوى في شرق أفريقيا. ولهذا فإن القاهرة تنظر إليه من زاوية أوسع: حماية حقوقها المائية، والحفاظ على استقرار محيطها، ومنع تحول القرن الأفريقي إلى مساحة جديدة للصراع الدولي.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل أفسدت مصر مخططاً أمريكياً إسرائيلياً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟ الأدق ألا نتحدث عن «مخطط واحد» تتحرك كل الأطراف وفقه، لأن المنطقة أكثر تعقيداً من ذلك.
لكن يمكن القول إن القاهرة عطلت أو قاومت عدداً من المسارات التي كان يمكن أن تقود إلى ترتيبات إقليمية مختلفة بعد حرب غزة. رفض التهجير، والتمسك بحل القضية الفلسطينية، والحفاظ على أمن سيناء، والإصرار على الدور المصري في غزة، وعدم الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، بالتوازي مع توسيع العلاقات مع الصين وروسيا، كلها مواقف حافظت لمصر على مساحة مستقلة من الحركة.
وهنا تكمن حساسية الدور المصري. القاهرة لا تبحث عن مواجهة مع واشنطن، ولا تريد حرباً مع إسرائيل، ولا تسعى إلى صدام مع إيران. لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تتحول إلى جزء من ترتيبات تفرض عليها.
ومصر تملك من عناصر القوة ما يجعل تجاوزها أمراً صعباً. قناة السويس، والبحران المتوسط والأحمر، والحدود مع ليبيا والسودان، والموقع في قلب العالم العربي وأفريقيا، والعلاقات المفتوحة مع القوى الدولية والإقليمية، كلها تجعل القاهرة نقطة ارتكاز لا يمكن تجاهلها في أي إعادة ترتيب للمنطقة.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة شي جين بينغ. المهم في الزيارة ليس فقط حجم الاتفاقات، وإنما طبيعة المجالات التي تنتقل إليها الشراكة. عندما تدخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعة وسلاسل الإمداد والتعاون الاقتصادي إلى قلب العلاقة المصرية الصينية، فإننا نكون أمام شراكة تتجاوز التجارة التقليدية.
والصراع الدولي نفسه تغير. لم يعد صراعاً على القواعد العسكرية فقط. إنه صراع على التكنولوجيا، والبيانات، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والأسواق، والعملات، والممرات البحرية.
ومصر موجودة تقريباً في قلب كل هذه الملفات. لذلك فإن الرسالة المصرية الأهم ليست أنها اختارت الصين. بل أنها اختارت ألا تغلق باباً أمام أحد. وهذه ربما تكون أكثر نقطة إزعاجاً لأي قوة تريد أن ترى العالم في صورة محاور مغلقة.
المشهد الحالي يؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة. أمريكا تستخدم القوة والضغط الاقتصادي لاستعادة زمام المبادرة. إيران تحاول منع تحول الضغط العسكري إلى هزيمة سياسية. روسيا تحاول العودة إلى النظام الدولي من بوابة التفاوض. الصين تدخل المنطقة من بوابة الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية، وتبدأ في طرح رؤيتها للأمن الإقليمي. والخليج يحاول حماية استقراره وسط النار.
أما مصر، فتتحرك في المساحة الأصعب: بين كل هذه القوى، دون أن تسمح لأي منها بأن يصبح صاحب القرار الوحيد في خياراتها. ولهذا فإن قراءة المشهد من زاوية الصواريخ وحدها ستكون قراءة ناقصة. المعركة الحقيقية أوسع. إنها معركة على من يملك القدرة على الحركة عندما تتغير قواعد اللعبة.
قد لا تستطيع القاهرة منع القوى الكبرى من الصراع، لكنها تستطيع أن تمنع تحويلها إلى ساحة لهذا الصراع. وهنا تكمن أهمية اللحظة.
إيران تختبر قدرة المنطقة على تحمل الحرب، وغزة تختبر قدرتها على حماية القضية الفلسطينية، والسودان يختبر قدرتها على منع تفكك الدول، والنيل يختبر قدرتها على حماية مصالحها الحيوية، والصراع الأمريكي الصيني يختبر قدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها.
وفي كل هذه الملفات تظهر القاهرة باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه. إيران تُقصف لكن مصر تُختبر. والاختبار الحقيقي ليس: مع من تقف مصر؟ بل: هل تستطيع مصر أن تقف مع مصالحها، بينما تتغير خريطة الشرق الأوسط من حولها؟
وربما تكون الإجابة التي ستكشفها الأيام المقبلة أن القاهرة لا تنتظر أن يقرر الآخرون شكل المنطقة الجديدة، بل تعمل على أن تكون واحدة من الدول التي تحدد شكلها.

