في مشهد يجمع بين عبق التاريخ وعمق العلاقات المصرية الليبية، دشن السفير عبد المطلب إدريس ثابت، المندوب الدائم لدولة ليبيا لدى جامعة الدول العربية والمكلف بتسيير أعمال السفارة الليبية بالقاهرة، النصب التذكاري للجيش الليبي في مصر، وذلك عقب الانتهاء من أعمال الصيانة والتجديد، بالتزامن مع إحياء الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي.

وجاءت مراسم إعادة افتتاح النصب التذكاري لتؤكد أن المكان لا يمثل مجرد معلم تاريخي، وإنما يجسد صفحة مضيئة من صفحات النضال الوطني الليبي، كما يعكس في الوقت ذاته عمق الروابط التاريخية التي جمعت الشعبين المصري والليبي، والدور الذي لعبته مصر في مساندة الليبيين خلال مراحل المقاومة والتحرير وبناء الدولة.

حضر مراسم الافتتاح وفد من رئاسة الأركان البرية الليبية، ووزارة الدفاع الليبية، ووزارة الخارجية الليبية، في مناسبة حملت أبعادًا وطنية وتاريخية ودبلوماسية.
ثابت: إعادة افتتاح النصب فرصة لاستحضار تاريخ المؤسسة العسكرية
وفي كلمته خلال مراسم الافتتاح، أكد السفير عبد المطلب ثابت أن إعادة افتتاح النصب التذكاري للجيش الليبي تمثل فرصة مهمة لاستحضار تاريخ المؤسسة العسكرية الليبية، والتوقف أمام رمزية هذا الصرح الوطني، وتجديد العهد بالوفاء للرجال الذين قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعًا عن ليبيا.
وأشار ثابت إلى أن ذكرى تأسيس الجيش الليبي تمثل مناسبة وطنية عزيزة على قلوب الليبيين، باعتبارها محطة لاستذكار مسيرة مؤسسة حملت راية الكفاح والنضال من أجل تحرير الوطن وصون كرامته واستقلاله.

وأكد أن إعادة افتتاح النصب بعد الانتهاء من أعمال الصيانة والتجديد تضفي على هذه المناسبة أهمية خاصة، موضحًا أن الصرح سيظل شاهدًا على تضحيات الرجال الذين بذلوا أرواحهم فداءً للوطن، ورمزًا خالدًا لمعاني الوفاء والعزة والانتماء.
«النصب ليس مجرد معلم تاريخي».. رسالة للأجيال القادمة
وشدد السفير الليبي على أن قيمة النصب التذكاري تتجاوز الجانب المادي أو المعماري، قائلًا إن هذا الصرح ليس مجرد معلم تاريخي، وإنما يمثل رسالة متجددة للأجيال تؤكد أن بناء الأوطان لا يتحقق إلا بالتضحيات والإخلاص والعمل المشترك.
وأضاف أن تاريخ الجيش الليبي سيظل مصدر فخر واعتزاز بما قدمه أبناؤه من بطولات في سبيل الدفاع عن ليبيا والحفاظ على سيادتها ووحدتها.
وفي هذا السياق، استحضر ثابت أرواح شهداء الوطن، مؤكدًا ضرورة تخليد تضحياتهم واستذكارهم بكل إجلال وإكبار، إلى جانب تقدير كل من خدم في صفوف القوات المسلحة الليبية وأسهم في حماية الوطن وأمنه واستقراره.
مصر في ذاكرة الجيش الليبي
ولم تغب مصر عن كلمة السفير عبد المطلب ثابت، حيث أكد أن الشعب الليبي لا ينسى الدور التاريخي للشعب المصري والحكومة المصرية في دعم المقاومة الليبية خلال سنوات الاحتلال، فضلًا عن المواقف المصرية الداعمة للقضايا الليبية والعربية.
وأوضح أن هذا الدعم مثل سندًا مهمًا لمسيرة التحرير والبناء، في تأكيد جديد على أن العلاقات المصرية الليبية ليست وليدة الظروف السياسية الراهنة، وإنما تستند إلى تاريخ طويل من التواصل والتعاون والتداخل بين الشعبين.
ويكتسب موقع النصب في مصر أهمية خاصة، إذ ارتبطت منطقة أبورواش بالجيزة بمرحلة تأسيسية من تاريخ القوة العسكرية الليبية، حيث تشير الدراسات التاريخية إلى أن 9 أغسطس 1940 كان تاريخًا محوريًا في مسار تأسيس نواة قوة عسكرية ليبية منظمة في مصر بقيادة الأمير إدريس السنوسي.
وتربط الدراسات بين هذه المرحلة وبين مسار أطول بدأ بالمقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، ثم تطور تدريجيًا من فصائل المجاهدين إلى تشكيل قوة منظمة عرفت لاحقًا باسم القوة العربية الليبية.
من المقاومة إلى بناء المؤسسة العسكرية
ويكشف تاريخ الجيش الليبي أن تأسيسه لم يكن حدثًا منفصلًا عن الحركة الوطنية الليبية، بل جاء امتدادًا لمسار طويل من المقاومة والنضال.
فقد خاض الليبيون خلال العقود الأولى من القرن العشرين مواجهات واسعة ضد الاحتلال الإيطالي، وبرزت أسماء ورموز وطنية كان لها تأثير كبير في مسيرة المقاومة، وفي مقدمتها المجاهد عمر المختار.
ومع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت فكرة الانتقال من المقاومة المسلحة غير النظامية إلى بناء قوة عسكرية أكثر تنظيمًا تكتسب أهمية متزايدة، وصولًا إلى مرحلة التأسيس في مصر عام 1940.
وتشير روايات ودراسات تاريخية إلى أن القوة العربية الليبية خضعت عقب تأسيسها لعمليات تجنيد وتدريب وتسليح، لتتحول التجربة العسكرية من مجرد مجموعات مقاومة إلى نواة قوة منظمة كان لها دور في مسار التحرر الوطني الليبي.
ويحمل النصب التذكاري في أبورواش قيمة رمزية خاصة، باعتباره مرتبطًا بمرحلة تأسيسية من تاريخ الجيش الليبي.

