لم يكن سيدنا داود عليه السلام نبيًا عابدًا فحسب، وإنما جمع الله له بين النبوة والملك والحكمة والقوة، وآتاه من فضله ما لم يؤتَ كثيرًا من خلقه.
كان داود عليه السلام صاحب صوت حسن، فإذا تلا الزبور وسبّح الله، استجابت له الجبال والطير، تسبح معه بأمر الله، في مشهد بديع يعكس عظمة الخالق وقدرته.
قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ولم تكن هذه هي المعجزة الوحيدة التي أكرم الله بها داود عليه السلام، فقد ألان له الحديد، وأرشده إلى صناعة الدروع، حتى أصبحت تلك الصناعة وسيلة لحماية المحاربين في زمن كثرت فيه الحروب.
وكانت الدروع في ذلك الوقت ثقيلة وصلبة، وقد تعوق المحارب عن الحركة، فجاءت صناعة الدروع التي علّمها الله لداود عليه السلام أكثر إحكامًا ومرونة، تعتمد على حلقات الحديد المتشابكة، فتحمي الجسد من ضربات السيوف والرماح، وفي الوقت نفسه تسمح للمحارب بالحركة.
ويقول الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
وكان داود عليه السلام كثير العبادة، يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويقوم من الليل للصلاة، ولذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود».
ولم يكن ملك داود عليه السلام قائمًا على القوة وحدها، فقد منحه الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعله مثالًا للحاكم الذي يجمع بين قوة الملك ونور النبوة وعدل القضاء.
قال تعالى في سورة ص: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.
وكان داود عليه السلام شديد الخشوع، كثير التسبيح، محبًا للخير، وقد ارتبط اسمه في القرآن بمشهد فريد من مشاهد الكون؛ فالجبال والطير كانت تسبح مع نبي الله، بأمر الله تعالى.
وهكذا كان داود عليه السلام نموذجًا للنبي الملك؛ جمع الله له بين العبادة والملك، والحكمة والقوة، وسخّر له من آياته ما يؤكد مكانته، فكان صوته في التسبيح سببًا في مشاركة الجبال والطير له، وكان الحديد بين يديه لينًا يصنع منه ما يحمي الناس.
إنها قصة نبي كريم لم تكن قوته في ملكه وحده، وإنما في قلبه الذي عرف الله، ولسانه الذي أكثر من تسبيحه، ويده التي سخّرها الله لصناعة ما ينفع الناس.

