عاجل
السبت. مايو 23rd, 2026

   المهندس عثمان حيدر عبد الهادي يكتب : الاستراتيجية الوطنية للتنمية الحضرية والريفية .. نحو إعادة بناء الهوية الوطنية السودانية 

admin2023admin2023 23, مايو 2026 14:05:44

شهد السودان خلال العقود الأخيرة، وبصورة أكثر حدة بعد الحرب الأخيرة، تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب القبلي والجهوي والمناطقي، حتى أصبحت بعض المدن والقرى تُعامل وكأنها ملكيات حصرية لمجموعات إثنية أو قبلية بعينها، مع تنامي خطاب إقصاء «الغريب» أو «الوافد» من مناطق السودان الأخرى.

ولا يمثل هذا التحول مجرد أزمة اجتماعية عابرة، بل يُعد تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الوطنية السودانية نفسها؛ لأن استمرار الانغلاق القبلي يؤدي تدريجيًا إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتحويل البلاد إلى كيانات إثنية متصارعة.

وفي المقابل، يبرز خيار استراتيجي يتمثل في إنشاء مجتمعات حضرية وريفية قومية جديدة — مدن حديثة، ومشروعات زراعية، ومناطق صناعية، ومجتمعات إنتاجية — تقوم فلسفتها على دمج السودانيين من مختلف الأقاليم والقبائل داخل فضاء اقتصادي واجتماعي واحد، بحيث تصبح الهوية الوطنية الرابط الأسمى، لا الانتماء القبلي أو الجهوي.

وتنبع هذه الرؤية من مبدأ أساسي مفاده أن «الإنسان ابن بيئته»، أي إن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ينشأ فيها الفرد هي التي تُشكّل وعيه وسلوكياته وانتماءاته. وعليه، فإن بناء بيئة وطنية جامعة ومتنوعة ومتعايشة يمثل أحد أهم مفاتيح صناعة جيل سوداني جديد يؤمن بالمواطنة والوطن المشترك.

وهذه الفكرة ليست غريبة على التجربة السودانية؛ فقد عرف السودان نموذجًا قوميًّا ناجحًا نسبيًا في مشروع الجزيرة، كما أن عددًا من الدول استطاع تجاوز الانقسامات الإثنية واللغوية عبر بناء مؤسسات وطنية ومجتمعات مختلطة غرست في الأجيال الجديدة مفهوم المواطنة الجامعة.

أولًا: جذور الأزمة القبلية والجهوية في السودان

  1. ضعف مشروع الدولة الوطنية

منذ الاستقلال، لم ينجح السودان في بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الولاءات التقليدية، إذ ظلت القبيلة والطائفة والمنطقة أدوات رئيسية في السياسة والاقتصاد والتوظيف والخدمات.

ومع ضعف التنمية المتوازنة، أصبحت المدن الكبرى تُنظر إليها باعتبارها «مناطق نفوذ» لمجموعات بعينها، بينما عانت مناطق واسعة من التهميش، مما غذّى الإحساس بالتمييز والعداء المتبادل.

  1. الحرب وتعميق الانقسام

عمّقت الحروب الأهلية المتكررة حالة الاستقطاب الإثني والمناطقي، وأعادت تعريف السكان وفق هوياتهم الأولية، لا وفق مواطنتهم.

ومع انهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق، برزت مفاهيم خطيرة مثل:«أهل المدينة الأصليون» ، «الوافدون»

«أبناء المنطقة» ،  «الغرباء» ، «التطهير السكاني» ، «حق الأرض على أساس العرق» وهي مفاهيم تتناقض جذريًا مع فكرة الدولة الحديثة.

ثانيًا: المدن القومية الجديدة كأداة لإعادة بناء السودان

الفكرة الأساسية تقوم الفكرة على إنشاء: مدن جديدة ، مشروعات زراعية قومية ، مناطق صناعية ولوجستية ، مجتمعات سكنية حديثة ، بحيث يتم توزيع السكان فيها بصورة قومية مدروسة تضم جميع مكونات السودان.

ولا يقتصر الهدف على التنمية الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي للأجيال القادمة.. لماذا تنجح المدن الجديدة في صناعة هوية وطنية؟ ، لأن الإنسان يتأثر بالبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها.

فالطفل الذي: يدرس مع أبناء مختلف القبائل، ويلعب معهم،ويعيش بجوارهم، ويتزوج منهم لاحقًا، سيكبر وهو يرى التنوع أمرًا طبيعيًا، لا تهديدًا. ومع مرور جيل أو جيلين، تتراجع العصبيات التقليدية لصالح هوية وطنية مشتركة، ويتحول الانتماء من القبيلة إلى الوطن، ومن الجهة إلى الدولة الجامعة.

ثالثًا: مشروع الجزيرة كنموذج سوداني للوحدة القومية

مشروع الجزيرة: يُعد مشروع الجزيرة أحد أهم التجارب السودانية التي نجحت عمليًا في خلق مجتمع قومي مختلط.

  1. الخلفية التاريخية : أُنشئ المشروع في عشرينيات القرن الماضي كمشروع زراعي ضخم بين النيلين الأزرق والأبيض، وأصبح لاحقًا أكبر مشروع ريٍّ انسيابي في إفريقيا.

وقد جذب المشروع سكانًا من:شمال السودان ، غرب السودان ، شرق السودان ،جنوب السودان قبل الانفصال

وسط السودان

  1. التنوع البشري داخل الجزيرة

داخل مدن وقرى المشروع تعايشت: القبائل العربية ، القبائل الإفريقية ، النوبيون ، البجا ، الفور ، الزغاوة ، الجعليون ، الشايقية الدناقلة ، المسيرية ، الدينكا ، النوبة وغيرهم

وكان معيار الانتماء الحقيقي هو: العمل – االإنتاج – الجيرة – التعليم – المصالح المشتركة وليس الأصل القبلي.

  1. أثر المشروع على الهوية الوطنية

ساهم مشروع الجزيرة في:

  • خلق طبقة وسطى سودانية قومية
  • تعزيز التزاوج بين المجموعات المختلفة
  • نشر التعليم الحديث
  • تكوين مجتمع مدني متسامح
  • تقليل الحساسيات القبلية

حتى غدت مدن مثل:

  • ود مدني
  • الحصاحيصا
  • المناقل

نماذج حقيقية للتعايش السوداني.

رابعًا: تجارب دولية ناجحة في بناء الهوية الوطنية

  1. تجربة سنغافورة

كانت سنغافورة تضم:

  • صينيين
  • ملايو
  • هنودًا
  • وأعراقًا متعددة

وبعد الاستقلال، أدركت القيادة أن استمرار الانقسام العرقي يهدد الدولة.

السياسات المتبعة:

  • توزيع السكان داخل الأحياء بنسب مدروسة تمنع العزل العرقي
  • مدارس موحدة
  • خدمة وطنية مشتركة
  • خطاب إعلامي قومي
  • مساواة قانونية صارمة

النتيجة:
نشأ جيل يرى نفسه «سنغافوريًا» أولًا.

  1. تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية

بعد مجازر الهوتو والتوتسي عام 1994، اتجهت الدولة إلى:

  • منع الخطاب القبلي
  • بناء هوية وطنية جامعة
  • إنشاء مجتمعات مختلطة
  • إعادة توطين السكان
  • تعليم وطني موحد

وأصبح التركيز على «المواطنة الرواندية» بدلًا من الانتماء الإثني.

ورغم وجود انتقادات سياسية للتجربة، فإنها نجحت إلى حد كبير في تقليل النزعات القبلية العنيفة.

  1. تجربة تنزانيا

تضم تنزانيا أكثر من 120 مجموعة إثنية، لكنها تُعد من أكثر الدول الإفريقية استقرارًا.

أسباب النجاح:

  • اعتماد اللغة السواحلية لغةً جامعة
  • نشر التعليم القومي
  • تقليل الخطاب القبلي
  • دمج السكان في مشروعات تنموية مشتركة

فأصبحت الهوية التنزانية أقوى من الهويات القبلية.

  1. تجربة الإمارات العربية المتحدة

رغم الخلفيات القبلية المختلفة للإمارات، نجحت الدولة في:

  • بناء مدن حديثة جاذبة
  • خلق اقتصاد وطني مشترك
  • ربط الهوية بالتنمية والازدهار
  • تعزيز مفهوم الاتحاد

حتى أصبحت الهوية الوطنية الحديثة أكثر حضورًا من الانتماءات المحلية التقليدية.

خامسًا: ملامح المشروع القومي السوداني المقترح

  1. إنشاء مدن قومية جديدة

يُراعى فيها:

  • التوزيع السكاني المتوازن
  • السكن المختلط
  • منع العزل الإثني
  • مدارس قومية موحدة
  • خدمات متساوية
  1. مشروعات زراعية قومية

على غرار مشروع الجزيرة، لكن بروح حديثة:

  • ملكيات تعاونية
  • تشغيل شباب من كل السودان
  • قرى إنتاجية مختلطة
  • صناعات غذائية مرتبطة بالمشروع
  1. الخدمة الوطنية المدنية

يمكن إنشاء برامج قومية تجمع الشباب من مختلف الولايات للعمل في:

  • الزراعة
  • التشجير
  • البناء
  • البنية التحتية

مما يعزز التعارف والانتماء المشترك.

  1. المناهج التعليمية

يجب أن تركز على:

  • تاريخ السودان المشترك
  • التنوع الثقافي
  • قيم المواطنة
  • احترام الاختلاف
  • نبذ العنصرية
  1. الإعلام الوطني

تبرز ضرورة بناء خطاب إعلامي جديد:

  • يحتفي بالتنوع
  • يجرّم العنصرية
  • يقدّم السودان بوصفه وطنًا جامعًا
  • يبرز قصص التعايش والنجاح المشترك

سادسًا: التحديات المتوقعة

  1. مقاومة النخب القبلية

قد تعارض بعض القوى التقليدية أي مشروع يضعف الولاءات القبلية، لأنها تستفيد من حالة الانقسام.

  1. الأزمة الاقتصادية

إن إنشاء مدن ومشروعات قومية يحتاج إلى:

  • تمويل ضخم
  • استقرار سياسي
  • بنية تحتية قوية
  1. آثار الحرب النفسية

خلّفت الحرب جراحًا عميقة تحتاج إلى:

  • مصالحة وطنية
  • عدالة انتقالية
  • برامج تعايش مجتمعي

خاتمة

إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على فكرة: «هذه المدينة لقبيلة كذا» أو «هذه الأرض لأبناء المنطقة فقط»، لأن هذا الطريق يقود إلى التشظي والانهيار المستمر.

والبديل الحقيقي يتمثل في بناء مشروع وطني جديد يعيد تشكيل المجتمع السوداني على أساس المواطنة المشتركة والمصالح الاقتصادية المتبادلة.

وقد أثبت مشروع الجزيرة أن السودانيين قادرون على التعايش والانصهار متى ما توفرت البيئة الاقتصادية والاجتماعية المناسبة، كما أثبتت تجارب دول عديدة أن الهوية الوطنية ليست أمرًا فطريًا، بل مشروع يُبنى بالتعليم والتنمية والمؤسسات والتفاعل اليومي بين الناس.

إن إنشاء مدن ومجتمعات قومية جديدة في السودان لا يمثل مجرد مشروع عمراني أو اقتصادي، بل مشروعًا استراتيجيًا لإعادة بناء الإنسان السوداني نفسه، بحيث يصبح الانتماء للوطن أكبر من القبيلة، وللسودان أوسع من الجهة، وللمستقبل أقوى من ذاكرة الحرب والانقسام.


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #السودان #العالم الآن alalamalan #تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب القبلي والجهوي والمناطقي #حتى أصبحت بعض المدن والقرى تُعامل وكأنها ملكيات حصرية لمجموعات إثنية أو قبلية بعينها #شهد السودان خلال العقود الأخيرة #مع تنامي خطاب إقصاء «الغريب» أو «الوافد» من مناطق السودان الأخرى. #وبصورة أكثر حدة بعد الحرب الأخيرة

اخبار مرتبطة