قابلتها فى إحدى عيادات النوم،
و أنا إلى وقت قريب لم أكن أعلم أن للنوم عيادة و أطباء و مرضى يعيون أن ما يعانون منه “مرض و يمكن علاجه”.
ابتسمت فى وجهها و أنا أناولها ملف الأشعة الذى انسدل من بين يديها، و كان هذا كفيلاً جدًا (بين أى اتنين ستات) أننا نتعرف و نتبادل التليفونات و العناوين و درجات العيال فى الترم الأول.
و بلا أى مقدمات سألتنى:
ـ تدينى كام سنة؟
ـ يا ستى و إيش عرفنى أنا (على رأى العندليب).
ـ طب إيه رأيك عمرى تلت سنوات.
قلت فى سرى:
أه.. يظهر أن العيادة ليست فقط لعلاج اضطرابات النوم.
و رميت ببصرى خلسة إلى اللوحة المعلقة والتى تحمل اسم الطبيب و تخصصه ” نفسية و عصبية “،
ما شاء الله أنا فى المكان المناسب .. فقررت أُجارى الموقف:
ـ ملامح حضرتك بالفعل طفولية و…
أكملت حديثها و تجاهلت استظرافى:
ـ من ثلاث سنوات تعرضت لحادث كاد أن يودى بحياتى، و بعد أن نجوت منه نصحنى الطبيب المعالج بضرورة زيارة عيادة نوم .. لأنى كنت نايمة و أنا سايقة.
و قبل أن أعبر عن اندهاشى أردفت قائلة:
النوم فى حياتى لم يكن مجرد وقت مرتبط بساعات معينة، ولا بمكان نوم معين ..
النوم فى حياتى هو صاحب الدار، و كل ما يحدث أو يأتى إلينا ما هم إلا زوار.
كنت أنام و أنا أرى أقرانى يتشاجرون فى المدرسة،
و كنت أذهب فى نوم عميق و أمى تنادينى كى أفتح الباب.
و حينما كبرت كنت أسجل أعلى درجات الحضور فى كلية نظرية لا يحضرها إلا قليل،
و إن كنت أنا أكثرهن تميزًا لأنى كنت آخر من يغادر.
حتى بعد أن تزوجت و ظننت أن النوم سيغار من وجود شريك جديد،
و لكن هيهات أن يشاركه فى مرقدى أحد.
و مرت الأيام و السنون،
و حياتى مع النوم تستمر و تدوم،
إلى أن جاء هذا الطبيب الأبله و أشار على بالعلاج.
ـ و اتعالجتى؟
ـ إتعالجت .. و يا ليتنى ما فعلت.
أتعرفين ما حدث؟
أصبحت أرى باقى الصور و المشاهد المحذوفة.
كل حياتى السابقة كانت تعج بالأحداث و المشاكل و الخناقات،
و لكنى لم أكن فيها طرفًا و لم أحضرها على الإطلاق.
فقد فرضت نظام تشفير خاص بى،
كلما ظهر مشهد لا يرضينى… أضغط زناد النوم،
هو يعرف كيف نتسلل سويًا خارج الجدران حتى ينتهوا، فنعود.
و قد وضعت الخناقة أوزارها،
و استعاد المشهد هدوءه.
كنت مريضة و لم أكن مدعية يومًا.
كنت أعانى من مرض يحدث خللًا فى وظائف النوم ..
و لكنى أحببته .. أحببت مرضى و استخدمته.
و بعد أن شفيت من ثلاث سنوات،
تعرّفت على عالم و أناس لم أكن أعرفهم و لا طاقة لى بتحمّلهم.
و أتساءل كل يوم:
هل كانوا بهذا السوء و… أنا اللى كنت نايمة؟
أم بالأحرى ..
أنا كنت عاملة نفسي نايمة؟
” الإنسان ممكن يعيش في نوم إدراكي طويل، ويخاف الصحوة لأنها بتكسر نظامه الداخلي في فهم هذا العالم”
Rabab.nabhan@tieegypt.com

