شهدت الساحة الدولية مؤخرًا تطورات عسكرية حادة تمثلت في توجيه ضربات قوية لإيران من قبل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، وهي ضربات يرى البعض أنها أضعفت قدراتها العسكرية بشكل كبير، ودفعَتها إلى التفكير في العودة إلى طاولة المفاوضات في محاولة للحفاظ على ما تبقى من بنيتها التحتية المدنية، بعد أن تعرضت بنيتها العسكرية لخسائر كبيرة.
غير أن ما يحدث لا يمكن تفسيره فقط باعتباره هجومًا يهدف إلى منع إيران من تخصيب اليورانيوم أو الحيلولة دون امتلاكها سلاحًا نوويًا، رغم أن ذلك يمثل هدفًا مباشرًا ورئيسيًا. فالحرب تحمل في طياتها أهدافًا أوسع وأبعادًا استراتيجية ينبغي لدول المنطقة، وخاصة دول الخليج، أن تدركها جيدًا.
أولًا، تُعد إيران من القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، وتقع على مقربة مباشرة من دول الخليج، وهو ما يجعلها مصدر قلق وتهديد استراتيجي بالنسبة لها.
ثانيًا، تمتلك إيران شبكة من الحلفاء والأذرع في عدد من دول المنطقة، وهو ما يشكل تهديدًا مستمرًا لإسرائيل ويزيد من تعقيد التوازنات الأمنية.
ثالثًا، تمتلك إيران موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية يتيح لها التأثير على حركة النفط العالمية، عبر سيطرتها أو قدرتها على التأثير في مضيق هرمز، وهو الممر الرئيسي لتصدير نفط الخليج، والذي يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية.
رابعًا، تُعد إيران من الدول الكبرى المنتجة للنفط في المنطقة، إذ تصدر نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، وتمتلك احتياطيات نفطية كبيرة تمثل عنصر قوة اقتصاديًا واستراتيجيًا.
خامسًا، تمتلك إيران خبرات علمية متقدمة في مجال تخصيب اليورانيوم، وقدرات علمية وتقنية تجعلها قادرة – نظريًا – على تطوير برنامج نووي عسكري إذا قررت ذلك. كما عُرفت إيران تاريخيًا بتقدمها العلمي، خاصة في مجالات الفلك والعلوم، وهو ما يذكرنا برواية “المجوس القادمين من بلاد فارس” الذين اهتدوا بالنجم حتى وصلوا إلى موضع ميلاد السيد المسيح في بيت لحم.
ومن بين الأهداف غير المعلنة – أو شبه المعلنة – لهذه الحرب إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط سياسيًا واستراتيجيًا، بما قد يؤدي إلى تعزيز الدور الإسرائيلي في المنطقة. ويأتي ذلك في ظل تاريخ طويل من الصراع والعداء بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة بسبب القضية الفلسطينية وما ارتبط بها من احتلال وتهجير.
كما يرى بعض المحللين أن أحد الأهداف المحتملة يتمثل في دفع دول المنطقة، وخاصة الخليجية، إلى تسريع مسار التطبيع الكامل مع إسرائيل، في إطار ترتيبات إقليمية جديدة قد تعيد صياغة التحالفات وموازين القوى.
وفي خضم كل هذه التحولات، تبقى قضية فلسطين وغزة حاضرة في وجدان وذاكرة التاريخ، باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة.
أما عن الحل، فربما يكمن – قبل فوات الأوان – في تعزيز التعاون والتحالفات الإقليمية العربية، بما يحقق قدرًا من التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ويؤكد أن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن يُرسم بإرادة طرف واحد، بل من خلال توازن قوى إقليمي قائم على المصالح المشتركة والاستقرار والتنمية.
حفظ الله مصر والمنطقة، وجنب شعوبها ويلات الحروب، وألهم العالم طريق السلام.

