آخر مواجهة اندلعت بين الكيان الصهيوني وإيران أسفرت عن تغيير شامل في قواعد اللعبة السياسية، سواء على المستوى الإقليمي أو حتى على ما وراء المحيطات. وقد أصبحت التحالفات الإيرانية المتنامية مع روسيا والصين، وبعض دول الشرق الأوسط، بل ودوائر داخل أوروبا، عنصرًا مُربكًا لحسابات الولايات المتحدة وترامب.
ولا ينبغي الاعتقاد أن ترامب يتحرك بمفرده، فالولايات المتحدة دولة مؤسسات وتوازنات، فضلًا عن تأثير اللوبي الصهيوني الممتد داخل دوائر رجال الأعمال والكونجرس.
ما فعلته إيران خلال المواجهة مع إسرائيل، وما تردد عن محاولات لصناعة حالة من الفوضى داخل إيران مؤخرًا، بالإضافة إلى الكم غير المعتاد من الصواريخ الباليستية التي استهدفت إسرائيل بدقة لافتة، يكشف عن أبعاد أعمق من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية.
والأكثر من ذلك أن إسرائيل والولايات المتحدة، سواء خلال الحرب أو عبر محاولات إثارة اضطرابات داخلية في إيران، سعتا بكل الطرق لإحداث صدع داخلي يؤدي إلى خلخلة النظام ودفعه نحو الرضوخ، حتى مع وجود شبكات تجسس شديدة التداخل، إلا أن هذه المحاولات لم تُسفر عن نتائج تُذكر.
كما أن الضربة الإسرائيلية التي طالت قطر مؤخرًا جعلت العديد من الأطراف تعيد التفكير أكثر من مرة قبل الدخول في سيناريوهات “الغرف المغلقة” التي كانت تراهن على إضعاف إيران أو دفعها نحو الانهيار.
ومن هنا، عزيزي المهتم بالشؤون الخارجية، يمكن ملاحظة أن إيران تعمل في الفترة الأخيرة على بناء توازنات سياسية وإقليمية تمتد من روسيا والصين إلى باكستان، مرورًا بالقاهرة وتركيا، وصولًا إلى الشرق الأوسط بأسره. وهو ما قد يؤدي إلى تحييد نسبي لحلفاء واشنطن في الإقليم، أو على الأقل تهدئة طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط بدرجة ملحوظة.
وبناءً على ذلك، ما زلت أرى أن الحرب الشاملة لا تزال بعيدة، حتى وإن حدثت مناوشات سياسية أو عسكرية محدودة بهدف ضبط إيقاع التفاوض، إذ إن هناك تدخلات وتداخلات في الأفق تُراعي دائمًا المصالح الاقتصادية الدولية المشتركة على مختلف الأصعدة.
kemoadwia@yahoo.com

