في هذا الحديث سوف نتحدث عن الرزق في العلاقات. العلاقات هي هدية من ربِّ العالمين، تبدأ من الأم والأب إلى رحلة دراسية طويلة مع الأصدقاء. في كل مرحلة نمر بها نتعلم منها، ونغيِّر أفكارنا وسلوكنا إلى الأفضل.
حديثنا اليوم عبارة عن قصص. أول قصة هي قصة أم لابنتها تقدِّم لها نصيحة في العلاقات، تقول لها:
«أي يا بنيتي، إن النصيحة لو تُركت لفضل أدبٍ لتركَتْ لذلك منكِ، ولكنها تذكرة للعاقل وتنبيه للغافل: أَقِمِ الواجبات ودَعِ الحقوق تسعى إليكِ بغير عناء».
ما معنى هذه الجملة في العلاقات؟ معناها أن نلتمس العذر، وأن نسامح، وأن نبذل كل الجهد لكي نحافظ عليها، وأن الحفاظ على العلاقات يحتاج إلى مجموعة من الإنسانيات. كانت الأم توجِّه لابنتها أن القلوب غالية جدًا، وأن السعي في الواجبات، سواء لفرصة عمل أو غيره، يختلف عن السعي في العلاقات.
القصة الأخرى: كانت هناك أم تطلب من ابنتها أن تقوم بواجبات المنزل وترعى أختها الصغيرة، فرفضت هذه البنت. فكتبت الأم ورقة لابنتها تقول لها:
كنتِ أول فرحة دخلتِ إلى حياتنا، وكنتُ كل يوم في تعبكِ أتمنى أن يأخذ الله من صحتي ويعطيكِ إياها، وكنتُ أتمنى كل يوم أن أراكِ في مكانة أعظم من التي تتمنينها. وعندما طلبتُ منكِ أن ترعي أختكِ الصغيرة والمنزل، فلكي تتعلمي أن الحياة ليست بتلك البساطة التي ترينها، وأن من اعتاد على شيء شاب عليه، وأن المسؤولية سوف تعلِّمك الإنسانية والشعور بالآخرين. وعندما طلبتُ منكِ هذا، ليس لعدم قدرتي عليه، ولكن أحب أن تعتادي على المسؤولية واتخاذ القرارات.
وضعت الأم هذه الورقة في درج ابنتها، وعندما فتحت البنت الورقة وقرأتْها، ذهبت إلى والدتها وقالت لها:
لو كان في الدنيا أن الأشخاص يقدِّمون أعمارهم لأحد، لكنتُ أعطيتكِ عمري، ولكن العمر بيد الله.
أريد أن أقول إنني أفرح جدًا عندما أتمنى شيئًا ولا يتحقق؛ لأنني أكون أعلم أن الله رفعني به درجات ومقامات في الآخرة، أو أن الله يحب أن يسمع صوت عبده، أو أنه كان شرًّا لي. يقول الله في الحديث القدسي:
«خلقتك لي، وخلقت الأشياء كلها لك، فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له».
الأم والأب هما رحمة من الله للإنسان.
الرزق هو أن يرزقني الله قلبًا نقيًا يحب أن يرى الأشخاص في أعظم مكانة.
من أهم العوامل التي تحافظ على استمرارية العلاقات: الاحترام، والثقة، والتقدير، والتفاهم. سوف نتحدث عن أثر كل عنصر من هذه العناصر وكيف نحافظ عليها.
التقدير:
أنا أسمي هذا العنصر فاكهة العلاقات.
ما هو التقدير؟ أن ترى الشيء البسيط من أشخاص تحبهم شيئًا عظيمًا.
التقدير أن تشعر بالآخرين.
التقدير أن ترى أن الهدية الحقيقية هي نور هؤلاء الأشخاص في حياتنا.
التقدير أن تشعر غيرك أنهم القليل النادر في الدنيا؛ لأنهم هم الهدية الحقيقية لنا.
دائمًا عندما أحب أحدًا أحب أن أعطيه هدية عظيمة، هي قرآن ودعاء؛ لأنني أعلم أن القرآن سوف يجعله قريبًا من الله، والذي بقربه سوف يصبح ليس بحاجة لي.
التقدير هو أن تكون عيناك ممتلئتين بالمحبة، ولا تحتاج إلا أن تراهم بخير.
التقدير هو أن تشعر بمدى التعب الذي يصل إليه الأهل لكي نصل نحن إلى هذه المكانة، ودائمًا نشكر الله على نعمة وجودهم في حياتنا.
هناك أشخاص في حياتنا نضعهم في أعيننا، وهذه شيء قليل جدًا عليهم؛ لأنهم يستحقون مكانة أعظم.
هناك جملة تقول: إن الشخص الذي يشعر أنه دائمًا مُقدَّر، سيعطي أكثر مما تتوقع منه.
التقدير يقوِّي العلاقات.
وكانت هناك جملة تقول: إذا لم تستطع أن يكون لك أثر إيجابي في حياة الآخرين، فادعُ الله أن يرزقهم بمن يُسعد قلوبهم.
الاحترام:
الاحترام عنوانه في السلوك والأسلوب؛ لأن له عدة أنواع، على مستوى حديث النفس مع صاحبها، أو الحديث مع الآخرين، أو على مستوى السلوك الإنساني.
كانت هناك جملة تقول: أعطوا الاحترام لكي تكسبوه.
الاحترام أجمل هدية يقدمها الإنسان، وهو أجمل أثر يتركه في قلوب الآخرين.
الاحترام شجرة تُروى بماء الصدق والوفاء والإخلاص والمحبة.
دائمًا أرى أن أعظم نعمة وهبنا الله إياها هي الإسلام؛ لأنه علمنا كيف ينبغي أن تكون الأخلاق.
نرى الاحترام في جمال الأسلوب، والمعاملة، والابتسامة.
لقد تعلمت من ديني أن أحب كل الأشخاص، حتى الذين لا يحبونني؛ لأن ابتلاءهم علَّمني الرحمة والإنسانية والأخلاق والقلب الصادق. وتعب الإنسان علَّمني أن أعذر كل الناس؛ لأنني لا أعلم ما الذي يمر به هذا الشخص، فألتمس له العذر.
عندما تمنيت أمنية ولم تتحقق، وضعت سجادة الصلاة وتمنيت أن يعطيها الله لمن يستحقها.
وأحب في هذا الموضوع أن أقدِّم اعتذارًا لكل شخص ضايقته أو زعل مني دون قصد، وأقول إن هناك أشخاصًا في حياتنا مكانهم عظيم، لا نحتاج منهم التماس عذر أو سبب؛ لأن لهم مكانة عظيمة جدًا في قلوبنا، ونحب أن نراهم دائمًا في أعظم مكانة.
لقد تحدثنا عن قيمة الاحترام والتقدير، ولكنهما يحتاجان إلى الثقة والتفاهم؛ لأن هذه العناصر عندما تتحد مع بعضها تخلق الإنسانية والمحبة الصادقة التي تساعدنا أن نحب كل لحظة في حياتنا.
التفاهم هو ألا نكون على نفس المستوى الفكري، بل على نفس المبادئ الفكرية؛ لأن المبادئ أهم من المستوى، فالمبدأ هو الأسلوب والطريقة التي نحب أن نفكر بها.
التفاهم في الفكر ينشئ اتزانًا نفسيًا.
التفاهم في مؤسسة يجعلها ناجحة ومميزة.
التفاهم يبني طريقًا للتميز، ولذلك نحاول دائمًا أن نغير فكرنا ومعتقدنا لكي نسد الفروق الفكرية. ولذلك ينصحوننا دائمًا في أي شركة أو مؤسسة أن نحاول الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف لكي نحافظ على الإنتاجية العالية.
التفاهم يظهر احترام الفكر.
التفاهم يخلق المحبة للمؤسسة وللأشخاص الذين ننتمي إليهم.
التفاهم يصنع طاقة وقوة، ويجعلك تتعلم من آراء الآخرين، وتتقبل وجهات النظر، وأن تقبل التغيير في الفكر إذا وجدت الأفضل.
التفاهم يخلق الثقة.
الثقة بالنفس تصنع إنسانًا واثقًا في قدراته، ناجحًا في الحياة العلمية والمهنية.
الثقة تصل بك إلى شعور الرضا والأمان.
العلاقات هي الشيء العظيم الذي يجب أن نحافظ عليه؛ لأنها هدية من الله لنا. دائمًا أحب أن أرى الجميع في أعظم مكانة.
كانت هناك جملة تقول: خذ من سعادتي ما شئت كي تسعد، ثم من سعادتك سوف أسعد أنا.
دائمًا سعادتنا أن نرى الأشخاص الذين نحبهم سعداء.
وفي نهاية الحديث أحب أن أقول: اللهم لا ترينا فيمن نحب إلا كل ما نحب.
إلى اللقاء في حديث آخر.

