إيهاب الحضرى يكتب : على حافة المشاجرة!!

العالم الآنالعالم الآن 17, أبريل 2025 15:04:40
الجمعة:
زحام مفاجىء يسلب الطريق انسيابيته. قديما كنتُ أشغل بالي بطرح سيناريوهات افتراضية، أواجه بها رتابة بطءٍ يعطلني عن موعد مهم أو عادي، رغم أنني مسئول دائما عن التأخير، لأنني فنان في عدم ضبط إيقاع الوقت. أبدأ عادةً الاستعداد لأي موعد قبل دقائق معدودة من التوقيت المحدد، ثم ألقي باللوم على “شماعات” متنوعة أستخرجها من خزانة حججي التي لا تنتهي!
منذ فترة بدأتُ استبعاد السيناريوهات، أولا لأنها فقدتْ قدرتها على مواجهة التكدسات المستمرة، وثانيا لأن الاحتمالات أصبحتْ منزوعة الصلاحية، بعد أن اكتشفتُ أن الطرق تعاني من عُسر هضم المركبات، سرعان ما يتحوّل إلى تدفق مؤقت لحركة المرور، دون أن أقابل سببا منطقيا لنشوء التكدس وارتقائه ثم انتهائه في لمْح البصر، قبل التعثر في زحام جديد.
سيارتان متوقفتان وحشدٌ بشريٌ متداخل. يستخرج أحدهم عصا غليظة لا أعرف سبب احتفاظه بها في سيارته، غير أنني لم أعُد أشعر بالدهشة. يرفع الشاب يده بالعصا ويُسددها تجاه آخر يسبّه بصوت عالٍ. أطلب من ابني أن يقاوم فضوله ويزيد سرعة السيارة ليتجاوز حافة المشاجرة، فلا عاصمَ اليوم من حجرٍ طائش أو جسد هائم يرتطم بنا، ويجرفنا إلى أعماق المهزلة. على غير العادة يستجيب ويبتعد بنا، بعد أن يرفع صوت أغنية يسمعها، كي يحمي سمْع والدته من عبارات قد تخدش حياء أذنيها. يتصاعد صوت عمرو دياب، الذي يُعتبر منطقة استماع محايدة، تفصل بين شغفي بالطرب القديم، وذائقة حداثية مضطربة يتمتع بها أبناء الجيل الجديد. إنها منطقة عازلة تفض اشتباكات معتادة بين رغباتنا السمعية المتناقضة!
مصداقية خادعة!
لم أشهد المحطة النهائية التي استقرت فيها العصا. ربما تكون قد أصابت رأس ضحيتها، أو باتتْ من نصيب شخص سيء الحظ حاول فض المشاجرة. الاحتمالات كثيرة سوف تحسمها أية كاميرا مراقبة قريبة، بعد أن يُصبح الفيديو مُتداولا بغزارة، إذا تحول الاشتباك إلى جريمة تجتذب اهتمام الرأي العام. وقتها فقط سأكتشف أن أقدم سلاح أبيض في تاريخ البشرية قد سحق جمجمة أحدهم، وتفجّرت الدماء لتزيد عدد المشاهدات بدرجة مبالغ فيها، فالدم يثير الكثيرين مثل قطعة قماش حمراء تصيب ثيران المصارعة بالهياج، حسب معلومات خاطئة اعتدنا تداولها، وننسى أن الثور لا يُميّز الألوان عن بعضها، ولا يُدرك الفرق بين الأحمر والأبيض، بقدر ما تستثيره حركات المصارع، وتُحفزه على بدء هجماته المُرتدة.
تدفع صورة العصا الثور خارج حيز أفكاري، وأفترض أنها هبطت سالمة على رأس ضحيتها! أتوقع رؤية المشهد كاملا في فيديو خلال ساعات. وقتها سنندفع جميعا عبر منشورات منصات التواصل، ننتقد الانحياز للعنف، والوحشية التي التهمت آدمية الجاني، معتمدين على لقطة وحيدة وثّقتها الكاميرا، بينما هناك لقطات أخرى قد تكشف دوافع تجعلنا نلتمس العُذر للمتهم. ربما فوجىء مثلا بأن الضحية يستعد لطعنه بـ”مطواة”، أو وجّه له شتائم بالغة القبح استهدفت شرف أحد أفراد عائلته! هنا تتحول العصا الشرسة إلى سلاح للدفاع عن النفس أو العِرض، ويصبح الجاني شبيها بثور استفزته حركات المصارع وقماشته ضبابية اللون.
ما سبق ليس دفاعا عن العنف، فهو مرفوض في كل الأحوال، غير أنه محاولة لإنصاف منطقٍ يحتضر، نعتمد فيه على لحظات وثّقتها الكاميرا، ومنحها “التريند” مصداقية خادعة. ليطرح السؤال نفسه: لماذا صرنا أسْرى الأحكام المُطلقة؟ في بعض الأحوال يحصل القاتل على حُكم بالبراءة، رغم أنه ارتكب جريمته أمام كثيرين، لأن الدوافع أثبتت أن فِعلته كانت مجرد ردّ فعل. ليتنا نتعلم كيفية التعامل مع المشهد كاملا، بدلا من الانحياز إلى اللقطات المجتزأة.
شوارع أنهكها الصخب!
الأحد:
المدينة نفسها، غير أن تنوع مفرداتها يمنحني زخما من الأحاسيس. تظل الطاقة الإيجابية مفردات مخادعة يروجها أنصار التنمية البشرية، إلى أن تنبت بداخلنا دون أية محاولة لاستخراجها بالإلحاح. تودّع السيارة شارع عبد الخالق ثروت وتشق طريقها بالقوة الجبرية نحو كوبري الأزهر. الممر المعدني معبرٌ بين عالمين تاريخيين أرهقهما زحام الحاضر. ينتابني الجذل مع صوت عفاف راضي. هاهى الإذاعات تستشرف لحظات سعادتي، فتمنحني ما يزيد من جاذبية التفاصيل المحيطة. “ردّوا السلام وما تطلعوش في العالي يا سلام.. ردّوا السلام أللّا السلام ده غالي”. ألقي السلام على منشآت أنهكها الصخب، ولا أنتظر منها إجابة، لا لأن الجماد غير قادر على البوح، بل لأنني عابر سبيل لا يلفت انتباه أحد، وحدها تظل المطربة الكبيرة تستجدي ردودا لا تأتي: “ردوا السلام وكفاية غلّبتوني.. ردوا السلام وكفاية توّهْتوني.. واللي شافوني تاهوا لما شافوني.. قالوا يا عيني على سهر الليالي”. أجد نفسي محاصرا بين طاقتي شجن: مشاعر مرتبطة بأماكن تختزن رصيدا كبيرا من ذكرياتي، وكلمات أغنية حزينة لعاشقة أرهقها الهجر. على غير العادة لا أستسلم لأحزان يفرضها اللحن الملبّد بالأسى، ربما لأنني على موعد مُتخم بالبهجة، بعد فراق دام أكثر من رُبع قرن!
تحت قبة السلطان الباكي
أضطر لمغادرة السيارة وعدم استكمال الأغنية. أتأمل جدران مجموعة الغوري العملاقة، أنشأها سلطان انفجر بالبكاء عندما اختاره أمراء المماليك ليتولى الحُكم، حاول الهروب من مصير سابقيه لكن الضغوط كانت أقوى منه، وبعد أعوام سقط في موقعة مرج دابق شهيدا لخيانة أمير كبير اسمه خاير بك. خلّدت ذاكرة المصريين الاثنين فأطلقوا على المنطقة المحيطة بالمنشأة اسم الغورية، نسبة للسلطان قنصوة الغوري، بينما وصموا الأمير بمُسمى ظلّ يلاحقه حتى رحيله هو “خاين بك”!
مروري على مجموعة الغوري لم ينقطع، غير أن آخر دخول إلى القبة حدث قبل ثلاثين عاما. الغريب أن زيارتي لها هذه الليلة تجمع ثلاثة أزمنة في وقت واحد: المكان استحضر الماضي، والحاضر تجسّد في ثلاثة شباب صغار، تدور أعمارهم حول العشرين بفروق توقيت بسيطة، رسمت كلماتهم ملامح مستقبلٍ وردي النسمات، يُثبت أن القراءة لم تتحول إلى فعلٍ مُنقرض.
أشعر بالسعادة عندما تُثبت لي الظروف أن الثقافة لا تزال قادرة على الحشد، هذا اليقين الذي يتجدد كل معرض كتاب، وتأتي فعاليات متقطعة لتؤكده، المهم أن تجد من يعمل من أجلها بإخلاص، سواء من المؤسسات الرسمية أو الكيانات الخاصة.
تحت القبة، فاجأتني كثافة الحاضرين في ندوتين متتاليتين، واتّسمت الندوة الثانية التي تابعتُها بمذاق خاص، عبر استضافتها الفرسان الثلاثة: مودة، إياد، وعبدالله، الذين استثمروا سطوة “السوشيال ميديا” في دعم الكتب، بالترويج لها في “تيك توك” و”إنستجرام”، وأنشأوا مع غيرهم ممرات آمنة بين الكتاب الورقي وقراءٍ ينتابنا القلق من انقراضهم، أمام اجتياح وسائط أخرى أكثر قدرة على اقتناص الأجيال الجديدة، بتفاهات صارت محور اهتمام الكثيرين.
تابعتُ الندوة التي نظمها ملتقى القاهرة الأدبي من مقاعد الجمهور، غير أن الإعلامية الصديقة تغريد الصبان مديرة الأمسية، دعتْني لتقديم مداخلة، واقتنصتُ الفرصة لإجراء حوار سريع مع شباب تفصلني عنهم أعوام كثيرة، لكن الاهتمامات المشتركة تذيب فوارق الأعمار.
ربما تكون الهموم عاملا مشتركا يجمع بين سكان الكوكب في عالم مضطرب، وقد تكون إرهاصات التحولات الكبرى مصدر قلق عميق، لكن في نهاية كل نفق بصيص ضوء، ينبع من عيون تتألق بالأمل وترفض الانكسار. بعيدا عن البث الإذاعي تستحضر ذاكرتي صوت عفاف راضي من جديد:” الناس هنا هنا حلوين.. عايشين على السماح.. على السماح عايشين.. ألوانهم الجميلة مفيهاش لون الجراح”.
أغادر المكان وأنا أتنفس هواء أكثر نقاءً. أعترف أنني لستُ مفرطا في التفاؤل عادة، لكنها الظروف تفرض علىّ أحيانا أن أتحلى بالأمل!
نقلا عن جريدة الأخبار بتاريخ 17 ابريل 2025

#إيهاب الحضرى يكتب : على حافة المشاجرة!! #العالم الآن alalamalan #العالم الآن الإخبارى alalamalan #لم أشهد المحطة النهائية التي استقرت فيها العصا. ربما تكون قد أصابت رأس ضحيتها

اخبار مرتبطة