في زمن تتسارع فيه المعلومات وتتصاعد الحملات المضادة للدولة عبر التضليل والشائعات، أثبتت مصر أن مواجهة هذه التحديات لا تقل أهمية عن الحروب التقليدية، يأتي خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير، وتوجيهاته للهيئة الوطنية للانتخابات، كرسالة استراتيجية واضحة، تتمثل فى حماية الدولة تبدأ بحماية وعي شعبها، وضمان نزاهة المؤسسات هو أداة أساسية لمواجهة الإرهاب الفكري والإعلام المناهض الذي يسعى لتقويض الثقة العامة.
في تصريحات الرئيس، التي تناولت متابعة الانتخابات لمجلس النواب، أكد على أهمية التدقيق الكامل في كل إجراءات العملية الانتخابية، وفحص الشكاوى المقدمة من الناخبين، لضمان تمثيل حقيقي للشعب، ومنع أي استغلال للمؤسسات من قبل كيانات وشخصيات معادية للدولة، هذا الخطاب لم يكن مجرد توجيه إداري، بل تعبير عن فلسفة متكاملة للأمن القومي تعتمد على اليقظة المعرفية للمواطن، وقدرته على التمييز بين الحقائق والشائعات.
لم تمضِ ساعات قليلة على خطاب الرئيس حتى اتخذت الهيئة الوطنية للانتخابات خطوات عملية تجسد هذه الرؤية، بإلغاء الانتخابات في 19 دائرة موزعة على 7 محافظات، بعد ثبوت مخالفات شملت خرق الدعاية أمام اللجان وعدم تسليم مندوبي المرشحين محاضر حصر الأصوات، شملت هذه الدوائر إمبابة، والدائرة الأولى في سوهاج والمراغة وطهطا وجرجا والمنشاه ودار السلام، إضافة إلى دائرة الرمل في الإسكندرية ودمنهور وأبو حمص وإيتاي البارود ودوائر قنا بالكامل، والفيوم وابشواي، يمثل هذا القرار ضربة مباشرة للإعلام المناهض، الذي كان يسعى لتضخيم التجاوزات وتصويرها كأزمات تهدد استقرار الدولة، ويؤكد أن الدولة ملتزمة بتطبيق القانون والشفافية، وحماية إرادة المواطنين من محاولات التلاعب.
توضح هذه الأحداث كيف يمكن للوعي الجمعي أن يكون سلاحًا فاعلًا في مواجهة الإرهاب الفكري والتضليل، فالمواطن المشارك بوعي لا يقتصر دوره على التصويت فقط، بل يصبح عنصر قوة في حماية الوطن ومؤسساته، ويشكل خط الدفاع الأول ضد الحملات التي تهدف لتقويض الثقة في الدولة.
في هذا السياق، تعكس القرارات والتوجيهات الرئاسية فلسفة القيادة المصرية في التعامل مع تحديات الجيل الخامس من الحروب، حيث لم تعد الحدود التقليدية بين الحرب والسلم هي معيار الأمان الوحيد، بل أصبح بناء الوعي الوطني جزءاً من منظومة الردع الشاملة، يوازن بين القوة العسكرية والقدرة المعرفية للمجتمع، ويشكل مع السلوك الرقابي للهيئات الوطنية جبهة قوية ضد الإعلام المعادي والتلاعب بالمعلومات.
إن قراءة خطاب الرئيس السيسي وقرارات الهيئة الوطنية للانتخابات تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية دمج السياسة، والقانون، والوعي الشعبي في حماية الوطن من التلاعب والإرهاب الفكري، فالوعي الوطني الواعي ليس مجرد معرفة بالمعلومة، بل التزام ومسؤولية تشكل الدرع الحصين لاستقرار الوطن، وتجعل من كل مواطن عنصرًا فعالًا في صناعة المستقبل والحفاظ على سيادة مؤسساته.
…………………………………………………………………………………….
محمد حسام ثابت – مدير برنامج دراسات الإرهاب والتطرف بمركز مسارات للدراسات الاستراتيجية

