بادئ ذي بدء نقول إن البروفيسور ” عمر مؤنس ياغي ” هو عالم كيمياء أردني – أمريكي ، منح الجنسية السعودية بموجب أمر ملكي في ١١ نوفمبر عام ٢٠٢١ م وذلك نظرا لكفاءته في مجال الكيمياء الشبكية ، فهو أردني من أصل فلسطيني ، ولد في عمان – الأردن عام ١٩٦٥ م ، لعائلة فلسطينية لاجئة تعود أصولها لقرية المسمية في” قضاء غزة ” سابقا “قطاع غزة ” حاليا ، والتي هجرت العصابات الصهيونية أهلها إثر حرب النكبة عام ١٩٤٨ م ، نشأ في بيئة فقيرة ، حيث عاش مع تسعة من أخوته في غرفة واحدة دون كهرباء ، وكانت المياه تصل إلي منزلهم لبضع ساعات أسبوعيا فقط ، هذه التجربة مع شح الموارد خصوصا المياه ، غرست فيه رغبة عميقة في إيجاد حلول لمشكلات البيئة ، والمياه ، والطاقة التي يعاني منها أكثر من مليار شخص في شتي البقاع والأصقاع .
ويقول عمر ياغي عن هذه المرحلة : –
” نشأت في مناخ عمان الصحراوي بالأردن ، وأدركت تماما قيمة الماء ، ففي صغري كنت مسؤولا عن ملء خزانات المياه في منزلي ، مع الإلتزام بلوائح المياه المعمول بها في منطقتنا “.
مسيرته العلمية
تلقي “عمر مؤنس ياغي ” تعليمه الإبتدائي و الاعدادي في مدارس العاصمة الأردنية عمان ، وفي سن العاشرة ، اكتشف شغفه بالكيمياء حين رأي نماذج جزيئية في مكتبة مدرسته كرات ، وأعواد تمثل الذرات والروابط ، فشعر وكأنه ” اكتشف لغة سرية لبناء الكون ” ومنذ تلك اللحظة قرر أن يكرس حياته لفهم هذه اللغة وتوظيفها لخدمة البشرية .
وفي مطلع ثمانينيات القرن العشرين هاجر إلي الولايات المتحدة الأمريكية بتشجيع من والده لمواصلة دراسته ، وهو في سن الخامسة عشر دون أن يتقن اللغة الإنجليزية ، والتحق بكلية ” هودسون فالي المجتمعية ” ، ثم جامعة ” ألباني ” في ولاية نيويورك التي حصل منها علي درجة البكالوريوس عام ١٩٨٥ م ، وحصل علي الماجستير في الكيمياء ثم الدكتوراه من جامعة ” إلينوي ” عام ١٩٩٠ م ، فور حصوله علي الدكتوراه عين زميلا في أبحاث ما بعد الدكتوراه في مؤسسة العلوم الوطنية بجامعة هارفارد ، واستمر فيها حتي عام ١٩٩٢ م ، وفي يونيو عام ٢٠٢٥ م حصل علي الدكتوراة الفخرية في العلوم من جامعة برينسون في أمريكا .
وعن ذلك يقول ياغي :
” كنت مغرما بالكيمياء ، وفور انتقالي إلي جامعة ألباني ، انخرطت في البحث العلمي ، فعملت علي ثلاثة مشاريع مختلفة في ” الفيزياء العضوية” ، و “الفيزياء الحيوية ” ، و “مشروع نظري في الكيمياء ” ، ويضيف أنه لم يستمتع قط بالمحاضرات لأنه كان مولعا بمختبر الكيمياء الذي كان بالنسبة له ملاذا آمنا ” .
مسيرته العملية
بدأ عمر ياغي مسيرته المهنية أستاذا مساعدا في جامعة ولاية أريزونا وفي الفترة بين أعوام ١٩٩٩ – ٢٠٠٦ م ، عمل في جامعة ميشيغان وشغل فيها كرسي ” روبرت دبليو باري ” للكيمياء ، وفي الفترة بين أعوام ٢٠٠٦ – ٢٠١٢ م ، أصبح أستاذا في علم الكيمياء بجامعة كاليفورنيا بمدينة لوس انجلوس ، وهي من أكبر الجامعات العلمية بالولايات المتحدة الأمريكية ، فضلا عن شغله كرسي ” إيرفينغ وجين ستون ” لعلوم الفيزياء والذي يشغله أعضاء هيئة التدريس المتميزون في مختلف التخصصات في جامعة كاليفورنيا ، وترأس مركز المواد الشبكية في المعاهد الوطنية للكيمياء في تسوكوبا باليابان من ٢٠٠٩ – ٢٠١٦ م ، انتقل عام ٢٠١٢ م للعمل في جامعة كاليفورنيا – بيركلي ، وتولي فيها منصب مدير المعمل الجزيئي في المختبر الوطني للعلوم ، وهو مركز أبحاث أسس عام ١٩٣١ م وترعاه وزارة الطاقة الأمريكية .
خلال عمله الأكاديمي ، بدأ يبحث عن طرق منهجية لتصميم مواد جديدة بدل الإعتماد علي ” التجربة والخطأ ” . وفي منتصف التسعينات قاد ياغي ثورة في الكيمياء من خلال تأسيسه ما يعرف ب ” الكيمياء الشبكية ” ، وهي فرع يتيح تصميم مواد بلورية ذات بنية منتظمة ، و مسامية نانوية يمكن التحكم بها بدقة .
يعد “عمر مؤنس غالي ” من أبرز العلماء في مجالي ” الكيمياء غير العضوية ” ، و ” المواد المتقدمة ” ، ومن الرواد العالميين في علم ” الكيمياء الشبكية الحديثة ” ، وقد لعب دورا محوريا في تحويل هذا المجال من ” نظرية أكاديمية ” إلي ” تطبيقات علمية” تحدث تغييرا عالميا في مواجهة التحديات العالمية ، ويعمل ” أستاذ الكيمياء ” في جامعة كاليفورنيا ، وهو ” أستاذ كرسي جيمس ونيلتجي تريتر للكيمياء” في جامعة كاليفورنيا – بيركلي ، ومدير مركز أبحاث المواد الشبكية في الجامعة ، وعالم منتسب في مختبر لورانس بيركلي الوطني ، والمدير المؤسس لبيركلي ” المعهد العالمي للعلوم ” ، وعضو منتخب في الأكاديمية الوطنية للعلوم ” ، وكذلك الأكاديمية الوطنية الألمانية للعلوم ” ليوبولدينا ” ، وحاصل علي مرتبة رقم ” اثنان “في قائمة أشهر وأفضل العلماء والمهندسين في العالم للفترة بين ” ١٩٩٨ – ٢٠٠٨ ” م ، في فبراير عام ٢٠٢٤ م ، كرمه الشيخ محمد بن زايد بجائزة ” نوابغ العرب ” عن فئة العلوم الطبيعية ، منحت له تقديرا لإسهاماته الإستثنائية في مجال الكيمياء ، وتعتبر إسهاماته رائدة ، وثورية في مجال الكيمياء الشبكية ، حيث طور أساليب مبتكرة لربط الوحدات الجزيئية لتشكيل هياكل مفتوحة عبر روابط قوية ، وأدت أبحاثه وابتكاراته إلي المساهمة في تطوير مواد متقدمة مثل الأطر الفلزية العضوية ( MOFs ) ، والأطر العضوية التساهمية ( COFs ) ، وتتميز هذه المواد بتطبيقاتها الواسعة التي تشمل التقاط الكربون وانتاج الطاقة النظيفة ، وستخلاص المياه من الهواءا، والتحفيز الكيميائى .مما يجعلها أساسية في مواجهة التحديات البيئية العالمية .
نشر البروفيسور “عمر مؤنس ياغي ” أكثر من ٣٠٠ بحث علمي ، وحظيت أعماله بأكثر من ٢٥ ألف استشهاد علمي ، مما يعكس تأثيره العميق في علوم المواد ، وتطوير حلول مستدامة لمستقبل أفضل ، ويعرف ياغي بدعمه للباحثين الشباب من العالم العربي ، وسعيه لفتح أبواب العلم أمام الأجيال القادمة .
رؤيته العلمية
يؤمن ياغي بأن الكيمياء يمكن أن تكون الحل الأساسي لأزمات ” المياه ، والطاقة ، والبيئة ” من خلال تصميم مواد قادرة علي ” هندسة الجزيئات ” لخدمة الإنسان ، والطبيعة ” .
انجازاته العلمية
هو مؤسس ” علم الكيمياء الشبكية الحديثة” ، وهو فرع من الكيمياء يركز علي تصميم وتركيب هياكل بلورية ثلاثية مفتوحة ومرتبة من خلال ربط كتل البناء الجزيئية ببعضها البعض ، ويعتمد علي بناء مواد وظيفية بطريقة محسوبة ومصممة مسبقا بدلا من الخلط العشوائي التقليدي ، قام رائد هذا المجال البروفيسور ياغي بتطويره من خلال إيجاد طرق لإنشاء” هياكل مستقرة ، وصلبة ” مثل الأطر المعدنية العضوية ، والأطر العضوية التساهمية .
ابتكار مواد MOFs ، COFs
MOFs ( Metal – Organic Frameworks )
” شبكات معدنية عضوية ”
تستخدم لتخزين الغازات مثل الهيدروجين ، وثاني أكسيد الكربون ” .
COFs ( Covalent – Organic Frameworks )
” شبكات عضوية تساهمية ”
تستخدم في تنقية المياه ، وتخزين الطاقة .
تطبيقاته ، وأبحاثه
استخراج الماء من الهواء الجاف
” تقنية توليد المياه من الجو ” . تخزين الهيدروجين ، والطاقة النظيفة .التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون ، وتقليل الانبعاثات .
أبرز إنجازاته
تطوير الأطر المعدنية العضوية ( MOFs ) ، والهياكل العضوية التساهمية ( COFs ) : –
وهي ” مواد تمتلك مساحات سطحية هائلة يمكن أن تصل إلي ٧٠٠٠ متر مربع لكل غرام ” ، ولها قدرة استثنائية علي ” امتصاص الغازات ” ، أو ” جذب جزيئات الماء من الهواء ” .
أحد أكثر إنجازات ياغي إثارة هو “تطوير أجهزة لاستخراج المياه من الهواء الجاف ” حتي في الصحاري ، حيث الرطوبة لا تتجاوز ( ٢٠ ٪ ) ، وفي تجربة شهيرة بمختبره في بيركلي ، شاهد ” قطرات الماء تتكون داخل صندوق مغلق ” باستخدام بلورات الأطر المعدنية العضوية ليقول بتأثر :
” كانت رؤية تلك القطرات واحدة من أروع اللحظات في حياتي .. فهذا يعني أن بإمكاني خلق ماء حيث لا ماء ” .
هذه التقنية التي تعمل بالطاقة الشمسية ، ولا تحتاج إلي كهرباء ، تعد حلا واعدا لمئات الملايين حول العالم الذين يعيشون في مناطق تعاني من شح المياه ، ووفقا للأمم المتحدة سيصل عدد المتأثرين بالمياه هذا العام ٢٠٢٥ م إلي ١٠٨ مليار شخص ، وابتكارات عمر ياغي ستكون المفتاح لتخفيف هذه الكارثة .
نةة أبرز علماء العصر عمر مؤنس ياغي ، وحصده نوبل للكيمياء
حصاد “عمر مؤنس ياغي ” لجائزة نوبل ليس فقط اعتراف بعبقريته العلمية ، ونبوغه ، بل أيضا تكريما لرؤية إنسانية طوعت العلم في خدمة البشرية ، فمن غرفة صغيرة في عمان إلي قاعات الأكاديمية السويدية ، سوف يظل البروفيسور ياغي مثالا حيا علي أن العلم حين يبني علي حلول لمعاناة البشرية يمكن أن يغير مصير الشعوب .
لقد أعلنت ” الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم ” منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام ٢٠٢٥ م لكل من الكيميائي الياباني “سوسو مو كيتا غاوا ” من جامعة كيوتو ، وأستاذ الكيمياء البريطاني ” ريتشارد روبسون ” من جامعة ملبورن ، والكيميائي “عمر مؤنس ياغي ” حامل الجنسيتين الأمريكية والسعودية والأستاذ بجامعة كاليفورنيا ، بيركلي تقديرا لجهودهم في ” تطوير الأطر المعدنية العضوية ” ، فقد طور هؤلاء العلماء نوعا مبتكرا من ” الهياكل الجزيئية ” تعرف باسم ” الأطر المعدنية العضوية ” والتي تتسم باحتوائها علي ” مسامات ، وتجاويف ” تتيح للجزيئات الانتقال خلالها بحرية ، وقد مهد هذا الابتكار الطريق أمام تطبيقات علمية متنوعة ، حيث تم استخدام هذه المواد فيما يلي ” استخلاص الماء من الهواء في المناطق الصحراوية ” . .” تنقية المياه من الملوثات ” . .” احتجاز ثاني أكسيد الكربون ” .. تخزين غاز الهيدروجين ” .
ويقول ياغي :” لم أكن أبحث عن جوائز ، بل عن حلول “والحين يثمر بحثه عن حلول أنقذت مئات الملايين من عطش المستقبل .
اختراع النابغة ” عمر مؤنس ياغي ”
” التقاط الغازات والسوائل ”
اختراع النابغة ” عمر ياغي ” الرئيسي هو تطوير الأطر المعدنية العضوية ” MOFs ” ، والأطر العضوية التساهمية ” COFs ” ، وهي ” مواد هيكلية ثلاثية الأبعاد ” تبني من ” وحدات بنائية جزيئية مترابطة ” هذه المواد لها ” مساحات سطح داخلية هائلة” مما يجعلها فعالة للغاية في ” التقاط وتخزين الجزيئات المختلفة” مثل ” الغازات ، والسوائل ” ، ومن أبرز تطبيقاتها استخدامها في ” استخلاص الماء من الهواء الجاف ” ، و ” تقنية احتجاز ثاني أكسيد الكربون ” . ” الأطر المعدنية العضوية – Metal Organic Frameworks ”
التركيب هي ” شبكات جزيئية مسامية ” تتكون من ” أيونات معدنية ” مرتبطة ” بجزيئات عضوية ” .
الخصائص : لها مساحات سطح داخلية ضخمة ” مئات الأمتار المربعة لكل جرام من المادة ” ..لها قدرة علي الامتصاص ، والإنتقالية . .قابلية التعديل لتناسب تطبيقات مختلفة .
التطبيقات الرئيسية
استخلاص المياه من الهواء.. جهاز أولي يجمع الماء من الهواء الرطب ، ويطلقه عند تعرضه للشمس ، مما يوفر المياه في المناطق الجافة .
.. احتجاز ثاني أكسيد الكربون : للمساعدة في مكافحة تغير المناخ .. تخزين الغازات مثل الهيدروجين والطاقة.. تنقية المياه من الملوثات مثل المواد الكيميائية المستمرة .
الأطر العضوية التساهمية – Covalent Organic Frameworks
هي شبكات عضوية تساهمية تستخدم في تنقية المياه وتخزين الطاقة
التركيب : –
هياكل بلورية مسامية تماما مصنوعة من جزيئات عضوية خفيفة الوزن .
تعتمد الأطر العضوية التساهمية ” COFs ” علي : عقد عضوية تمثل نقاط الربط.. روابط عضوية تربط العقد بروابط تساهمية.. بنية دورية تشكل شبكات 3D أو 2D .
الروابط الأكثر شيوعا في الأطر العضوية التساهمية
رابطة B – O بورونات / بورونات إيستر .. رابطة C = N إيمينات.. رابطة C – C يتم تشكيلها عبر تفاعلات الربط المتقاطع .. ابطة β-ketoenamine
إن طبيعة هذه الروابط تمنح الأطر العضوية التساهمية : –
١ – ثبات حراري قد يصل إلي 500 °C
٢ – مقاومة للمذيبات العضوية
٣ – انتظاما مساميا دقيقا .
٢ – الخصائص الرئيسية للأطر العضوية التساهمية : –
– هيكل بلوري مسامي :
تتميز ببنية شبكية منظمة للغاية تسمح بتصميم دقيق لمسامها .
– روابط تساهمية قوية :
تشكل الأطر العضوية التساهمية روابط تساهمية قوية بين وحدات البناء العضوية، مما يمنحها استقرارًا استثنائيًا.
– مساحة سطح عالية:
تمتلك مساحات سطح كبيرة جدًا .
– تحكم دقيق في البنية :
تسمح بالتحكم الدقيق في شكل وحجم المسام ، وبنيتها الكلية .
– استقرار عالي :
تتميز باستقرار حراري ، وكيميائي ممتاز في مجموعة واسعة من المذيبات والظروف .
– قابلية التخصيص :
يمكن تعديل خصائصها من خلال اختيار وحدات البناء المناسبة لضبط وظائفها لتطبيقات محددة.
– نقل الإلكترون :
تمتلك قدرة على نقل الإلكترونات عبر الروابط الداخلية للفراغ .
– هياكل قوية ، ومثبتة
– تتميز بسطحها الكبير
– قابليتها للوظائف ، مما يعزز القدرة على الامتزاز .
٣ – التطبيقات الحديثة للأطر العضوية التساهمية
٣ – ١ تخزين الغازات وتشمل : –
– الهيدروجين ” H₂ ”
– الميثان ” CH₄ ”
– ثاني أكسيد الكربون ” CO₂ ”
٣ – ٢ التحفيز الكيميائي ” Catalysis ”
– تعمل الأطر العضوية التساهمية ك أسطح داعمة للمحفزات خاصة : –
– تحفيز الأكسدة ، والاختزال
– تحفيز ضوئي (Photocatalysis)
– تفاعلات ” C – C ” و ” C – N ”
٣ – ٣ تنقية المياه
فعالة في إزالة : –
– المعادن الثقيلة
– الأصباغ الصناعية
– المركبات العضوية المتطايرة .
٣ – ٤ التطبيقات الطبية ويتم استخدامها في : –
– توصيل الدواء
– الاستشعار الحيوي
– التصوير الضوئي .
٣ – ٥ الإلكترونيات والطاقة
– المكثفات الفائقة ” Supercapacitors ”
– الخلايا الشمسية
– بطاريات الليثيوم والكبريت .
خلاصة القول : –
حصاد “عمر مؤنس ياغي ” لجائزة نوبل في الكيمياء تعد نقلة علمية و تتويجا فريدا لمسار بحثي أعاد تعريف الطريقة التي تُصمم بها المواد ، وتستخدم في مواجهة أزمات ” المياه ” ، و ” الطاقة” و ” البيئة ” ، وتمكن ياغي خلال عقود بحثه من تغيير نظرة الكيميائيين للمادة نفسها ، فبدلا من ” النهج التقليدي ” القائم على خلط المواد ومراقبة النتائج ، قدّم ما يشبه “منظور المهندس المعماري” ، ويرتكز هذا التحول على ” تصميم المادة ” أولا على الورق ، ثم ” بنائها جزيئيا ” عبر روابط محسوبة ، مما أنتج واحدة من أهم عائلات المواد المعاصرة ، وهي ” الأطر المعدنية العضوية ” ، وتعتمد هذه الأطر على ” شبكات ثلاثية الأبعاد ” تتكون من ذرات معادن تعمل ك ” عُقد ” ، وجزيئات عضوية تعمل ك ” جسور ” ، لتشكل بنية مسامية بالغة الدقة ، وتتميز هذه المواد بسطح داخلي هائل ، قادر على ” استضافة جزيئات” محددة و ” التقاطها ” بكفاءة عالية ، مما جعلها تُوصف بـ” الإسفنجة النانوية القابلة للبرمجة ” ، ورغم أن الفكرة الأساسية ظهرت نظريا في نهاية ثمانينيات القرن الماضي ، فإن ” الهشاشة البنيوية ” لهذه المواد كانت أكبر عائق أمام استخدامها ، وفي عام ١٩٩٥ م ، حقق ياغي ” اختراقا علميا ” تمثل في ” تطوير روابط كيميائية مشحونة ” منحت هذه الهياكل صلابة ، واستقرارا ، مما أتاح إنتاج ” آلاف التركيبات المختلفة ” ، كما أنه وضع الأسس العلمية لهذا المجال وسماه “الكيمياء الشبكية”، والذي أصبح لاحقا أحد أسرع الفروع العلمية نموا بأكثر من ” مائة ألف تركيبة مسجلة ” ، وسرعان ما تحولت هذه المواد إلى حلول عملية في مجالات متعددة مثل ” التقاط ثاني أكسيد الكربون ” من مداخن المصانع ، و ” تخزين الهيدروجين ” بضغط منخفض لتسهيل تطوير السيارات النظيفة ، و ” تنقية المياه ” من ملوثات يصعب إزالتها بالطرق التقليدية ، وقد قدم ياغي وفريقه نموذجا لجهاز ينتج الماء من الهواء في البيئات الجافة عبر امتصاص رطوبة الليل وتحريرها نهارا ، وفي ضوء هذا التطور العلمي أسس ياغي شركات تتولى تحويل هذه التقنيات إلى منتجات قابلة للاستخدام الميداني ، وقد أكدت لجنة نوبل أن هذه الابتكارات تمتلك قدرة مباشرة على معالجة أزمات مركزية مثل نقص المياه وتلوث الهواء والتحول الطاقي، مما يضع إنجاز ياغي في سياق علمي تطبيقي تتجاوز آثاره حدود المختبرات .
marabeen@gmail.com

