د. الهادي عبدالله أبوضفائر يكتب : تنمية السلام وإعادة الإعمار.. بين صياغة الدولة وصناعة المستقبل

admin2023admin2023 14, فبراير 2026 14:02:27

الحرب لا تُسقط الأبنية فحسب، إنها تكشف ما كان متصدعاً في العمق. تعرّي هشاشة الأنظمة حين تُختبر، وتُسائل البنى التي بدت راسخة حتى لحظة الانفجار. وحين ينقشع غبار المعارك، لا يكون السؤال الحقيقي. كم جسراً تهدّم؟ بل، لماذا كان قابلاً للانهيار أصلاً؟.

من هنا، لا يُعتبر إعادة الإعمار مجرد مشروع هندسي تقني، بل هو امتحان أخلاقي وسياسي في جوهره. فالوطن الذي يُبنى من جديد دون أن تُراجع أسبابه الجذرية التي أدت إلى انهياره، إنما يُعاد ترسيخ أزمته في صيغة أكثر تعقيداً، وأشد سوءاً. والسلطة التي تنظر إلى الركام كفرصة للصفقات لا كفرصة للإصلاح، لا تُشيّد سوى دورة جديدة من الفشل، حتى وإن علت الرافعات في الأفق وملأت السماء.

الاعتراف هو الخطوة الأولى على طريق النهوض، فقبل أن نبحث عن الحلول، يجب أن نواجه الحقيقة بوضوح. لم تكن الحرب وحدها هي سبب الخراب، إنما الفساد، وافتقار التخطيط السليم، واحتكار القرار، وتهميش الكفاءات، وغياب المساءلة، وغير ذلك من العلل، كانت جميعها شقوقاً في الجدار الذي لم يكن في أمان قبل أن تعصف به العاصفة. الحرب ربما تكون قد كشفت العطب، لكنها لم تكن هي من اخترعته.

لهذا، فإن إعادة الإعمار لا تكتمل إلا بتنمية السلام. والسلام هنا ليس وقفاً لإطلاق النار، ولا توزيع مناصب لترضية الأطراف، ولا إعادة تدوير النخب في وزارات جديدة. السلام الحقيقي هو إعادة بناء الثقة. بين المواطن والدولة، بين المركز والأطراف، بين القانون والعدالة وبسطها.

تنمية السلام تعني بناء مؤسسات عادلة، لا مراكز نفوذ. تعني اقتصاداً يخلق فرصاً منتجة، لا وظائف مؤقتة لامتصاص الغضب. تعني تعليماً يُحرر العقل، لا خطاباً يُخدّره. وتعني إدارةً عامة تقوم على الكفاءة، لا على الولاء.

الدولة التي تحترم تضحيات أبنائها لا تكتفي بتخليد أسمائهم، بل تصون المعنى الذي ضحّوا من أجله. فدماء الشهداء لا تُكرَّم بإعمارٍ شكلي، بل بإصلاحٍ يمنع تكرار المأساة. والسلام لا يُستدام بتوازنات هشة، بل بعدالةٍ راسخة تُشعر الجميع أنهم شركاء في الوطن لا ضيوفاً فيه.

السياسة بعد الحرب مطالَبة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل. وهذا يتطلب شجاعة قرارات لا حلولا آنية. فتح ملفات الفساد بلا انتقائية، إعادة هيكلة الإدارة لتكون خادمةً للمواطن لا عبئاً عليه، توجيه أموال الإعمار نحو مشاريع إنتاجية طويلة الأمد في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، لا نحو مظاهر عمرانية معزولة عن التنمية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُختزل السلام في هدنةٍ باردة، ويُختزل الإعمار في أرقامٍ وإحصاءات. فأي سلامٌ هشّ ينتج وظائف ووزارات، ولا ينتج عدالة ولا يداوي ذاكرة، هو سلام مؤجل الانفجار. وإعمارٌ لا يعالج جذور الأزمة، إنما يجمّل سطحها.

المجتمعات التي تنهض حقاً هي التي تحوّل الكارثة إلى لحظة مراجعة شاملة. تجعل من الألم وعياً، ومن الفقد مسؤولية، ومن الدمار فرصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس جديدة. شفافية، مساءلة، سيادة قانون، ومشاركة حقيقية في القرار.

نحن أمام مفترق تاريخي. إما أن نعيد إنتاج البنية التي قادت إلى الهشاشة، وإما أن نؤسس لدولة الكفاءة والعدالة والفرص المتكافئة. الركام لا يخيف. ما يخيف أن نُعيد ترتيب الحجارة ذاتها فوق الأساسات ذاتها.

أما إذا امتلكنا شجاعة المراجعة وصدق الإصلاح، فإن الإعمار يصبح فعل وفاء، ويصبح السلام ثمرة استحقاق لا تسوية مؤقتة. عندها فقط يولد سلامٌ مستحقّ، ينمو مع التنمية، ويتجذر في العدالة، ويليق بتضحيات من رحلوا، ويمنح من بقوا وطناً لا يحتاج إلى حربٍ جديدة كي يتعلم دروسه.

إن الإعمار الذي لا يُثمر سلاماً عادلاً هو إعمار ناقص، والسلام الذي لا يرتكز على إصلاحات جذرية في عمق المجتمع هو سلام هشّ، سرعان ما ينهار عند أول اختبار. لكن عندما يلتقي الإعمار الصادق بالتنمية المستدامة التي تغذي سلاماً حقيقياً، يصبح الوطن أكثر من مجرد أرض وعمران، إنه يولد من جديد، ينبثق من قلب جراحه، محققاً نهضة حقيقية قائمة على أسس من العدالة والمساواة، فتتحقق فيه وحدة الأفراد ورغبتهم في بناء مستقبل مشترك يسوده السلام الدائم.
abudafair@hotmail.com


#أخبار السودان لحظة بلحظة #العالم الآن الإخبارى alalamalan #د. الهادي عبدالله أبوضفائر يكتب : تنمية السلام وإعادة الإعمار.. بين صياغة الدولة وصناعة المستقبل

اخبار مرتبطة