عاجل
الأحد. أغسطس 31st, 2025

د.الهادى عبدالله أبوضفائر يكتب :العقلية السودانية ..صراع بين العاطفة والوعي المتأخر

admin2023admin2023 30, أغسطس 2025 22:08:21

 

لقد تشكّلت العقلية السودانية في منطقة رمادية، حيث امتزجت البراءة الفطرية باندفاع العاطفة، وجاورت الحكمة الموروثة وعياً نقدياً جاء متأخراً. هناك، وجدت الأمة نفسها أمام لحظة لا تحتمل المراوغة، تُلزم الفرد والمجتمع معاً بإعادة تشكيل الوعي وبناء المصير. حين اصطدمت الحماسة المتقدة ببطء التبصّر، تاهت الذهنية بين المثال الممكن والواقع الملموس، بين ما نرجوه وما آل إلينا. نحن شعبٌ تفيض أرواحنا بالحماس واستعدادٍ لا نظير له للتضحية، لكننا كثيراً ما دفعنا، في المنعطفات الفاصلة، ثمن غياب البوصلة العقلية القادرة على توجيه العاطفة صوب الفعل الراشد. تلك الفجوة هي ما جعل التاريخ يعيد دوراته، حتى غدت التضحية عندنا إرثاً متوارثاً يتكرر بلا حصاد، وأضحى الانكسار سلالةً في الدم، لا يمحو أثرها صليل البنادق، ولا يغيب وجعها غبار الأحلام المؤجلة.

من مفارقات الفكر السوداني التاريخي أن كثيراً من المواقف اتخذت بعاطفة جياشة أكثر من عقل متزن، ليلتحق الناس بمشاريع لم تتضح معالمها بعد في خيالهم. فالولاء للطائفة أو الزعيم أو الشخصية الدينية غالباً ما تغذّيه المشاعر والانتماءات القبلية لا المصلحة الوطنية. استغلت الأحزاب الكبرى هذه العاطفة، فحوّلت الولاءات الطائفية إلى أدوات سياسية فعالة: حزب الأمة وظف الولاء العاطفي للطائفة والتضحيات التاريخية لبناء قاعدة شعبية متماسكة، والحزب الوطني الاتحادي الديمقراطي استثمر النفوذ الروحي والبركة التقليدية للشيخ لبناء ولاء سياسي متجذر في الانتماء العاطفي للرموز الدينية والاجتماعية. حتى الحركة الإسلامية والأحزاب التقدمية، رغم شعاراتها العقلانية، غالباً ما اصطدمت بالولاء العاطفي، فاضطرت لاستثمار الانتماء القبلي خلسة، مما حدّ من قدرتها على تعبئة الجماهير بوعي مدني. غالباً ما استُلهمت القرارات السياسية من الانفعال الجماهيري لا العقلانية الوطنية، فتركت الدولة هشة وعاجزة، حيث أصبح الولاء للطائفة أو الحزب أعمق من الولاء للوطن. العاطفة التي تغذي الولاء صارت أداة استغلال سياسي، تقوي التضامن الطائفي لكنها تُضعف الانتماء الوطني، وتترك الدولة عرضة للتفكك والفوضى.

كذلك لم ينجُ رأس الدولة من أسر هذا النمط من التفكير، فالحماسة العاطفية لفّت صناعة القرار من قِمّة الهرم، وأعمت بصيرة القيادة عن ضرورة المزاوجة بين منطق السياسة ومنطق الإيمان. وهكذا انجرفت الدولة بأسرها إلى مشروعٍ تحرّكه النوايا الطيبة، لكنه يفتقر إلى البصيرة النافذة وحسابات الواقع، عندما بعث الخليفة عبدالله تهديده إلى ملك الحبشة، جاءه الرد أكثر نضجاً واتزاناً. (نحن وانتم مهددون من قبل المستعمر). فلنتّحد أولاً لنحمي أوطاننا، ثم نفكّر معاً في كيفية التعامل مع المهدية. طغى الحماس الغاضب على رَوية العقل، فأرسل الخليفة جيشه في معركة أنهكت خصمه وأنهكته، بينما خرج الإنجليز والإيطاليون الرابحون في النهاية.

حين قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء، انفجرت حناجر أهالي القرى النائية بلعن أمريكا، وبعضهم أعلن أنها المرة الأخيرة، رغم أن أغلبهم لم يعرف مكانها على الخريطة. هنا تتجلى مفارقة الذهنية العاطفة غالباً ما تسبق الإدراك، وتشتعل نارها قبل أن يسطع نور الفهم، فتدفع الناس إلى الانفعال قبل التحليل، وإلى الهتاف قبل النظر في نتائج أفعالهم. وتزداد المفارقة وضوحاً حين يقف طلاب الجامعات، من يمين ويسار، على قمم المنارات العلمية، فإذا بالاختلاف لا يُحل بالحجة، بل بالسيخ والعصا، كأن سلطان الانفعال أطاح بعروش العقل. وتفاقمت المفارقة حين ترك بعض أبناء الأسر الميسورة قاعات الدرس ودفاتر العلم، ليلتحقوا سرّاً بمسارات العنف، حاملين البنادق بدل الكتب، مدفوعين بانفعالاتهم نحو مهاوي الدمار بدل دروب المعرفة. وما زلنا أسرى حماسة تطغى على وعينا، وعاطفة تتقدم الإدراك، ونهدر طاقاتنا في الانفعال، فيما كان الأجدر أن تُستثمر في بناء راسخ ووعي يليق بمستقبل مستقر. أليس في هذه الذهنية ما يستحق دراسة عميقة تكشف بنيتها ومكامن عجزها، وتضعنا أمام تحديات الإصلاح الحقيقي للأمة؟.

كذلك، اهتمام أهل السودان بقضايا الغير تجلّى في مشهد أسطوري، حين خرجت نساء البلاد يحملن حُليّهن، رغبةً في تشييد «جبل ذهب». لسنا ضد فعل الخير أو منازلة الظلم، لكن المفارقة أن هذه العاطفة الجيّاشة تجاه البعيد غالباً ما تغفل القريب المحتاج، فالأم التي تفارق الحياة لغياب الدواء لم تحظَ بذات الانتباه. وفي الوقت نفسه، السل يفتك بأهل الشرق، وأهل الشمال يُساقون ضحايا للتعدين العشوائي، وأهل الجزيرة تقتلهم البلهارسيا، وواهل النيل الأبيض تُنهشهم أنياب البعوض والملاريا، وغرب السودان يودّع أبناءه عطشًا. إنّ المنهج الرباني يعلمنا ترتيب الأولويات: فالواجب أن تُقدَّم العناية للقريب المحتاج أولًا، قبل البعيد، وأن يكون الفعل الخيري مدروساً ويحقق العدل والرحمة. هنا تتجلّى المفارقة . العاطفة تنحاز إلى البعيد، وتغفل القريب الذي يصرخ للبقاء حيّاً. حماس يتدفق أمام البطولات الرمزية، لكنه يخبو أمام جوع الإنسان ومرضه وعطشه، أمام صراخه المكتوم في وجه قسوة الحياة. كأنّ الوجدان السوداني ينجذب دائمًا إلى الرموز البعيدة، بينما يشيح ببصره عن وجع القريب الذي يحتاج عينا ترى، ويدا تمتد، وقلبا يشعر.

هكذا تمضي الدائرة في دورانها الذي لا يستريح، حماسٌ مشتعل، وعيٌ ناقص، ثم استغلالٌ لا يرحم. يصبح المجتمع سريع الاشتعال بالشعارات، ضعيف المناعة أمام الخطاب التعبوي، حتى وإن خلا ذلك الخطاب من أي مشروع حقيقي للبناء. فالعقلية التي تختار ساحة القتال قبل أن تفهم تضاريسها، هي نفسها التي تهتف قبل أن تفكّر، وتقاتل قبل أن تسأل، إلى أين نمضي؟ ولماذا نخوض الحرب أصلاً؟ وهكذا ظل السودان عالقاً في مدار التضحيات العقيمة، والثورات التي لا يحرسها مشروعٌ وطنيٌ جامع. ومن ثم ينهض السؤال الأكثر إلحاحاً، كيف ننتقل من عقلية الحماس إلى عقلية البناء؟ من العاطفة الطيبة إلى الوعي المدرك؟ من التضحية العشوائية إلى التضحية الواعية التي لا تصنع لحظة انتصار عابرة، بل تُشيّد دولةً راسخةً تسندها العقول.

لابد أن يُعاد تشكيلُ العقل السوداني، لا بنزع العاطفة من صدره، بل بترويضها في كنف عقلٍ نقدي يملك الجرأة على مساءلة الماضي، والبصيرة لتأمّل الحاضر، والاقتدار على التخطيط للمستقبل. فالمعركة اليوم لم تعد معركة بندقية وحدها، بل أصبحت معركة وعيٍ مُدرَّب على المعرفة، ومعركة تحويل الحماس الجارف إلى طاقةٍ خلاقة تشيِّد المصانع، وتبني المؤسسات، وتُقيم الدولة التي تُعانق طموحات شعبٍ قدّم من التضحيات ما يكفي لصناعة أمةٍ عظيمة. عند تلك اللحظة وحدها سنتحرّر من حماسٍ يخدم الآخرين، لننهض إلى وعيٍ لا يخدم إلا الوطن الذي نحلم به ونستحقه.
abudafair@hotmail.com


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #العالم الآن الإخبارى alalamalan #العالم الآن. قناة العالم #د.الهادى عبدالله أبوضفائر يكتب :العقلية السودانية ..صراع بين العاطفة والوعي المتأخر

اخبار مرتبطة