عاجل
الأحد. يناير 25th, 2026

د. الهادئ عبد الله أبو ضفائر يكتب :تأملات في مصير الحروب.. كيف تنتهي المعارك وتبدأ أزمة الدول؟! 

admin2023admin2023 23, يناير 2026 17:01:24

الحروب، حين تُجرَّد من قرع طبولها ومن أناشيدها الحماسية، لا تكشف إلا عن مواجهةٍ عارية بين تصوّرين. الحسم الخاطف، ووعد السلام الميسور. وبين هذين الإغراءين لا يُصاغ التاريخ كما تحبّ الأمم أن تتغنّى به، بل كما اضطُرّت أن تنوء بثقله وتدفع كلفته. ولعل أخطر ما مارسه العقل السياسي عبر الأزمنة أنه اختزل خاتمة الحرب في معادلة إجرائية باردة. نصر أم تفاوض؟ متناسياً أن المسألة، في جوهرها العميق، ليست تقنية ولا تفاوضية، بل وجودية خالصة. أيُّ دولةٍ تبقى حين يخفت صوت البنادق، وما الذي ينهض من الركام بعد أن ينسحب السلاح من المشهد؟.

قديماً، كان النصر واقعةً مكتفية بذاتها، لا تحتاج إلى تبرير ولا إلى تسوية لاحقة. حين قرّرت روما إنهاء قرطاج، لم تتجه إلى التفاوض، بل إلى ذاكرة المدينة، أحرقتها، ونثرت الملح في ترابها، لا لتمنع الزرع فحسب، بل لتقطع على المكان حقّ الحلم بالعودة، وانتهت الحرب بوضع اليد، لا بالاتفاق. لا لأن التفاوض كان مُداناً أخلاقياً، بل لأن الحاجة إليه انتفت، حين امتلكت القوة قدرة الإلغاء الكامل. فحُسم الصراع لا بإقناع الخصم، بل بمحو شروط وجوده جسداً، ورمزاً. كان النصر آنذاك لا يعني إسكات السلاح فحسب، بل استئصال إمكانية عودته. غير أن هذا الحسم لم يكن ممكناً إلا في عالمٍ لا يعرف حقوق الشعوب، ولا تعقيد الدولة الحديثة، ولا الكلفة الممتدة للخراب.

ومع ذلك، لم يصمد نموذج الحسم الصارم طويلاً أمام تحوّلات التاريخ. ففي حرب الثلاثين عاماً، لم يعد ممكناً سحق الخصم دون أن ينهار الفاعل نفسه. استنزافٌ شامل، مدنٌ مفرغة، مجاعات وأوبئة، وانكشافٌ لمعنى النصر كتصوّرٍ مُستنزِف فاقد الجدوى. وحين وُقّع صلح وستفاليا، لم يكن تتويجاً لغالبٍ أو اعترافاً بمغلوب، بل إقراراً جماعياً بالعجز. لم يولد السلام من فائض قوة، بل من حدودها. ومنذ تلك اللحظة، دخل التفاوض التاريخ لا باعتباره فضيلة أخلاقية، بل كآلية لوقف الانتحار الجماعي.

وفي القرن العشرين، عادت فكرة الحسم العسكري بأقصى درجاتها قسوةً وكلفة. فالحرب العالمية الثانية لم تُختَم بتسوية، بل باستسلامٍ غير مشروط لألمانيا واليابان. غير أن المفارقة أن هذا التفوق العسكري لم يتحوّل إلى سلامٍ مستدام إلا حين أُعيد بناء المهزوم سياسياً واقتصادياً، لا حين جرى الاكتفاء بإذلاله. لقد كانت خطة مارشال، وإعادة إدماج ألمانيا واليابان في النظام الدولي، اعترافاً بأن السلاح، مهما بلغ مداه، لا يصلح لبناء ما بعد الحرب. عندها انتقل النصر من كونه لحظةً عسكرية خاطفة إلى كونه مشروعاً سياسياً طويل النفس، مشروعٌ لو غاب، لتحوّلت الهزيمة إلى حقدٍ تاريخي مؤجَّل، ينتظر شرارته القادمة.

وعلى الضفة المقابلة، تكشف حرب فيتنام حدود القوة العظمى حين تصطدم بمجتمعٍ قرّر ألّا يُهزم بشروط غيره. لم تنتصر الولايات المتحدة عسكرياً، ولم تُهزم بالمعنى الكلاسيكي، لكنها فاوضت ثم انسحبت. لم يكن التفاوض هنا تسويةً متكافئة، بل إقراراً بأن مواصلة القتال لم تعد تخدم الدولة الأمريكية ولا صورتها عن ذاتها. والمفارقة أن الحسم لم يتحقق على طاولة المفاوضات، بل بعد سنوات، حين سقط الجنوب وتوحّدت فيتنام. هكذا يتكشّف التفاوض، لا بوصفه نهايةً للصراع، بل محطةً عابرة في مسار نصرٍ مؤجَّل، يتشكّل خارج لحظة الاتفاق نفسها.

الحرب الكورية مثالٌ صارخ على زيف النهايات. توقّف القتال دون أن تنقشع غيمة الحرب، فظلّ صدى الصراع يتردّد عبر الزمن، جرحٌ مفتوح لا يلتئم. وُقّعت هدنةٌ دون أن يولد سلام، وقُسّمت البلاد دون أن يُنجَز حلٌّ جذري. لا نصر يُحتفى به، ولا تسوية تُرسي استقراراً، بل نزيف مؤجَّل ظلّ يمتد عبر العقود. هذا النوع من النهايات لا يُطفئ نار الحرب، بل يُجمّدها، ويحوّلها إلى تهديدٍ دائم، وإلى ذاكرةٍ مشحونة بالاحتراق، تنتظر شرارةً واحدة تكفي لإشعالها عند أول اختلال في ميزان القوى.

وفي الشرق الأوسط، تتجلى المعضلة
بأوضح صورها. حرب أكتوبر 1973 قدّمت مثالاً على نصر عسكري محدود تحوّل إلى مكسب سياسي عبر التفاوض. لم تُهزم إسرائيل هزيمة ساحقة، ولم تنتصر مصر نصراً كاملاً، لكن الحرب كسرت وهم التفوق المطلق، وفتحت باب التسوية. هنا لم يكن التفاوض تنازلاً عن النصر، بل استثماراً له. وحين يُفصل التفاوض عن ميزان القوة، يتحوّل إلى استسلام مقنّع أو إلى هدنة هشة.

أما الحروب الأهلية الحديثة، من لبنان إلى كولومبيا، فتكشف أن النصر العسكري في المجتمعات المنقسمة غالباً ما يكون سراباً. في لبنان، لم ينتصر أحد، لكن الدولة كلها خسرت، إذ أن التسوية أنهت القتال دون أن تمحو شروطه، فظلّ السلاح حاضراً والكيان هشاً. وفي كولومبيا، لم تنتهِ الحرب إلا حين اعترفت الدولة بعجزها عن سحق التمرد، واعترف المتمرّدون بأن حكم الدولة بالقوة وهمٌ ممتدّ على الزمن. هنا، لم يكن التفاوض حلاً مثالياً، بل أقل الخيارات سوءاً، محطةً ضرورية لبقاء ما يمكن أن يُبقى من دولة ومجتمع.

التاريخ، حين يُقرأ بعين متأملة، لا يروي أن الحروب تنتهي دائماً بالتفاوض، ولا أنها تُحسم دائماً بالنصر. بل يكشف حقيقة أكثر قسوة. الحروب تنتهي حين تعجز عن إنتاج أساس جديد للحياة السياسية. إذا استطاع المنتصر أن يحوّل قوته إلى نظام عادل، يصبح النصر نقطة انطلاق للسلام. أما إذا أخفق المتفاوضون في تفكيك جذور العنف، فيتحوّل السلام إلى استراحةٍ قصيرة بين حربين، مجرد لحظة هشة في دورة لا تنتهي من الصراع والاقتتال.

لهذا، فإن السؤال الأخطر لا يكمن في كيفية انتهاء الحروب، بل في سبب عودتها. لماذا تحوّلت بعض الانتصارات إلى لعنة، وبعض التسويات إلى قنابل مؤجلة؟ الإجابة لا تكمن في السلاح ولا على الطاولات المستديرة، بل في قدرة المجتمعات على تجاوز منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن ثقافة الثأر إلى ثقافة العقد الاجتماعي. وكل ما عداه، فهو تفاصيل يعاد نسخها مع كل حرب جديدة، بأسماء مختلفة، ودمٍ واحد يتكرّر عبر الزمن.

ختاماً، لا تُقاس الحروب بعدد المعارك التي كُسبت، بل بما تركته حين توقّف القتال. فالسلاح قد يحسم المواجهة، لكنه لا يجيب عن سؤال الشرعية، ولا يخلق شروط العيش المشترك بعد الدم. وحين تعجز الدولة عن تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى عقدٍ جديد يرمّم الثقة ويعيد تعريف السلطة، يتحوّل النصر إلى عبء، والتفاوض إلى هدنة بين انهيارين محتملين. في تلك اللحظة، لا تكون الحرب قد انتهت، بل تغيّرت ملامحها فقط، من عنفٍ ظاهر في ساحة المعركة إلى عنفٍ صامت يسكن بنية الدولة. وهنا يكمن المصير الأخطر للحروب. أن تنتصر عسكرياً، وتفشل سياسياً، فتظل معلّقة بين ماضٍ لم يُحسم، ومستقبلٍ عاجز عن التكوّن.
abudafair@hotmail.com


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #أحداث السودان #العالم الآن alalamalan #العالم الآن. قناة العالم #د. الهادئ عبد الله أبو ضفائر يكتب :تأملات في مصير الحروب.. كيف تنتهي المعارك وتبدأ أزمة الدول؟!

اخبار مرتبطة