عاجل
الأحد. مارس 8th, 2026

د أمل قنصوة تكتب.. إنذار أخير قبل انهيار القيم

admin2023admin2023 6, يناير 2026 18:01:37

بوصفي باحثة في مجال التربية الاعلامية، لم أتعلم من عملي الأرقام بقدر ما تعلمت الوجوه، ولم أقرأ التقارير بقدر ما سمعت الصرخات المكتومة خلف أبواب المنازل، رأيت أطفالا يحملون حقائبهم المدرسية وهم مثقلون بالخوف أكثر من الكتب، وطلابا لم يتعلموا كيف يعبرون عن غضبهم بالكلمة، فاختاروا العنف لغة أخيرة، وحين أقرأ اليوم أخبار القتل بين الأهل أو بين الأصدقاء، لا أتعامل معها كحوادث منفصلة، بل كفشل تربوي واجتماعي نتحمل جميعا مسؤوليته، فالمدرسة التي كان يفترض أن تكون مساحة أمان، تحولت في بعض الأحيان إلى ساحة صمت، والبيت الذي كان يجب أن يكون ملاذا، صار مصدر ضغط وقهر، ومن هذه الخبرة أكتب، لا لأدين فردا أو مؤسسة بعينها، بل لأطلق إنذارا واضحا، بان ما يحدث ليس انحرافا عابرا، بل مؤشر خطير على أن التربية تستنزف، والقيم تتآكل، وأننا إن لم نتدخل الآن، سنجد أنفسنا نربي أجيالا لا تخاف من الدم لأنها لم تتعلم قيمة الحياة.

لم يعد القتل خبرا صادما كما كان، بل صار عنوانا يوميا في نشرات الأخبار وصفحات الحوادث، والأكثر إيلاما أن القاتل في كثير من الأحيان لم يعد غريبا أو مجرما محترفا، بل أبا أو أخا أو صديقا أو زميل دراسة، بل أحيانا طفلا يحمل حقيبته المدرسية بيد، وسكينا أو غضبا أعمى باليد الأخرى، فنحن لا نواجه فقط جرائم قتل، بل نواجه انهيارا مقلقا في منظومة القيم الإنسانية والاجتماعية، وتآكلا صامتا في الروابط التي كانت تمثل الأمان مثل الأسرة، والعائلة، والصداقة.

القتل بين الأهل يكشف عن بيوت امتلأت بالصراخ أكثر مما امتلأت بالاحتواء، وعن علاقات أسرية تحولت من سند نفسي إلى ساحة صراع وضغوط وعنف مكتوم، أما القتل بين الأصدقاء، فهو إعلان صريح عن غياب معنى الصداقة، وعن جيل لم يتعلم كيف يختلف دون أن يدمر، وكيف يغضب دون أن يقتل، والأخطر من ذلك كله ما نشهده من جرائم بين طلاب المدارس، حيث تتحول الخلافات البسيطة، أو السخرية، أو التنمر، أو الغضب اللحظي، إلى نهايات دموية، كأن الحياة فقدت قيمتها في الوعي الجمعي.

هذه الجرائم لا تولد من فراغ، بل تنمو داخل بيئة مضطربة، ضغوط اقتصادية خانقة، تفكك أسري، غياب للحوار داخل البيوت، تراجع للدور التربوي للمدرسة لصالح الحفظ والدرجات، إعلام يضخم العنف، ومنصات تواصل تروج لفكرة القوة الزائفة والانتصار السريع دون أي ثمن أخلاقي، نحن أمام أجيال تتلقى آلاف الرسائل يوميا، لكنها لا تجد من يستمع إليها بصدق، فالمشكلة ليست في القوانين وحدها رغم أهميتها، ولا في العقاب فقط رغم ضرورته، بل في الوقاية الغائبة، وفي تراجع التربية الاجتماعية، وفي تجاهل الصحة النفسية، وفي اعتبار الغضب ضعفا، والبوح عيبا، وطلب المساعدة خجلا. وحين لا يجد الإنسان مساحة آمنة للكلام، يتحول الصمت إلى قنبلة.

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من البيت حين يعود الحوار والاحتواء، ومن المدرسة حين تستعيد دورها التربوي والإنساني، ومن الإعلام حين يكف عن تسليع العنف، ومن الدولة حين توسع مظلة الدعم النفسي والاجتماعي، وتتعامل مع الظاهرة باعتبارها خطرا مجتمعيا لا مجرد وقائع جنائية، فالقتل بين الأهل والأصدقاء وطلاب المدارس ليس قدرا، بل إنذارا بأن المجتمع يحتاج أن يتوقف قليلا، وأن يراجع نفسه، وأن يسأل بصدق ماذا نفعل بأبنائنا؟ وماذا نزرع في عقولهم وقلوبهم؟ فالدم الذي يسيل اليوم داخل البيوت وفي الشوارع، إنما هو نتيجة تراكم طويل من الإهمال، والصمت، وتجاهل الإنسان فينا.


#أخبار العالم الآن #الرئيس عبدالفتاح السيسي #جمهورية مصر العربية #قناة العالم الآن

اخبار مرتبطة