كان شهر رمضان – ولا يزال – موسماً روحياً تتجدد فيه معاني الصفاء، وتلتئم فيه الأسرة حول مائدة واحدة وقلب واحد. غير أن شاشة الدراما في السنوات الأخيرة باتت تقدم وجهاً آخر لا يشبه روح الشهر ولا يشبه مصر التي نعرفها.
لقد تحولت بعض الأعمال الدرامية إلى منصات لعرض البلطجة، وتجميل صورة الخارجين عن القانون، وتسويق تجارة المخدرات وكأنها بطولة، وإغراق المشاهد بسيل من الألفاظ البذيئة والإيحاءات الرخيصة. وكأن صناع هذه الأعمال نسوا أن الفن رسالة، وأن الكاميرا ليست مجرد أداة ربح، بل نافذة تُشكّل الوعي وتغرس القيم.
المؤلم أن هذه المسلسلات لا تكتفي بعرض الانحراف كظاهرة، بل تقدمه أحياناً في صورة المنتصر الذكي الجذاب، بينما يُهمّش صوت العقل والقدوة الصالحة. فينشأ جيل يتلقى رسائل مبطنة مفادها أن القوة في السلاح، والنجاح في التحايل، والرجولة في العنف، والحرية في الانفلات.
أي صورة هذه التي تُصدَّر عن المجتمع المصري؟
مصر التي أنجبت الأزهر، واحتضنت الفنون الراقية، وقدّمت دراما صنعت وجدان الأمة العربية، تُختزل اليوم في مشاهد صراخ وعنف وابتذال؟ كيف نرضى أن يرى العالم مصر من خلال مشهد تاجر مخدرات أو بلطجي يفرض سطوته في حارة مظلمة، بينما يغيب الطبيب والمعلم والمفكر والمبدع؟
إن أخطر ما في الأمر ليس مجرد مشهد عابر، بل تراكم الصور في العقل الجمعي. الطفل الذي يشاهد، والمراهق الذي يقلد، والأسرة التي تتبلد حساسيتها تدريجياً أمام الألفاظ الخادشة والمشاهد المستفزة. ومع الوقت يصبح المنكر مألوفاً، والمألوف مقبولاً.
الفن الحقيقي لا ينكر وجود الانحراف، لكنه يعالجه، يفضحه، يكشف قبحه، ويقود إلى الخلاص. أما أن يتحول إلى ترويج غير مباشر للانحلال، فهذه خيانة لرسالة الفن، وإساءة لبلد بحجم مصر.
وليتنا نقف لحظة أمام ما كانت تقدمه الدراما المصرية في الثمانينات والتسعينات؛ حين كانت الأعمال الدينية والاجتماعية والثقافية تصنع حالة من الوعي والسمو. كانت مسلسلات مثل محمد رسول الله و**الإمام الطيب**** و**بوابة الحلواني** و**ليالي الحلمية** و**الشهد والدموع** تقدم دراما عميقة، تعالج قضايا المجتمع بوعي، وتنتصر في النهاية لقيم الحق والعدل والخير.
كانت اللغة العربية الفصحى حاضرة بقوة في الأعمال الدينية والتاريخية، رصينة في ألفاظها، مهذبة في حوارها، تحمل للمشاهد ثراءً لغوياً وارتقاءً فكرياً. وحتى في الأعمال الاجتماعية، كان الحوار منضبطاً، يعبر عن الخلاف دون إسفاف، وينتقد الواقع دون ابتذال. كان الشر يُعرض ليُدان، لا ليُحتفى به، وكان الخير ينتصر – ولو بعد معاناة – ليغرس في النفوس يقيناً بأن العدل قيمة لا تموت.
أين نحن اليوم من تلك المرحلة؟
أين الحوار العاقل، والكلمة النظيفة، والقدوة الملهمة؟ أين المعلم الذي يُحتذى، والأب الذي يُوقَّر، والأم التي تمثل الحكمة والرحمة؟ لماذا غابت الصورة المضيئة، وحضرت النماذج المشوهة؟
لسنا دعاة وصاية أو حجر على الإبداع، ولكننا نطالب بمسؤولية. نطالب بأن تعود الدراما إلى دورها التنويري، وأن تقدم نماذج إيجابية ملهمة، تعكس الواقع دون أن تغرق فيه، وتصلح دون أن تفسد، وتنتقد دون أن تهدم.
رمضان ليس موسماً للإعلانات فقط، ولا سباقاً على نسب المشاهدة. إنه موسم تهذيب النفس، وترميم القيم، ولمّ الشمل. فهل تعود الدراما إلى رشدها؟
أم نظل نسمح للشاشة بأن تزرع في بيوتنا ما نهدمه في مدارسنا ومساجدنا وخطبنا؟
إن معركة الوعي أخطر من معركة السلاح، والفن سلاح…
فإما أن يكون في صف البناء، أو يتحول – لا قدر الله – إلى معول هدم.
………
د. أشرف رضا محمد
أستاذ المناهج وطرق التدريس..
عضو هيئة التدريس بالمعهد التطبيقي.. جامعة الكويت

