حسن محمد حاج يكتب :اعتراف بلا دولة.. حين يُصنع الضجيج من فراغ وتُباع الأوهام باسم السيادة

admin2023admin2023 29, ديسمبر 2025 14:12:51

في خضمّ الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق اعتراف إسرائيل بإدارة صوماليلاند الانفصالية في شمال غرب الصومال، يطفو إلى السطح سؤال جوهري يتجاوز لحظة الانفعال وردود الفعل السريعة.

سؤال يتمحور حول القيمة الحقيقية لهذا الاعتراف وقدرته الفعلية على إحداث تغيير ملموس في الواقع السياسي والقانوني القائم.

فبعيدًا عن العناوين الصاخبة والاحتفالات العابرة، تقود القراءة الموضوعية الهادئة إلى نتيجة واضحة لا تحتمل كثيرًا من التأويل.

نتيجة مفادها أن هذا الاعتراف، مهما جرى تضخيمه إعلاميًا، وحتى لو تبعته اعترافات من دول تدور في الفلك السياسي لإسرائيل، لن يغيّر من جوهر الواقع شيئًا، ولن ينقل صوماليلاند من موقعها القانوني الحالي إلى وضع الدولة المعترف بها دوليًا.

(طبيعة الاعتراف الإسرائيلي وسقف الشرعية)

ويعود ذلك، في المقام الأول، إلى طبيعة الاعتراف الإسرائيلي ذاته، إذ إن إسرائيل ليست مرجعية قانونية دولية، ولا تملك الوزن الحاسم الذي يؤهلها لإعادة رسم الحدود أو تقرير مصير الدول وفقًا لقواعد النظام الدولي.

فاعترافها، في جوهره، يحمل طابعًا سياسيًا وأمنيًا مرتبطًا بحسابات النفوذ والمصالح في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لا بمبادئ تقرير المصير أو باحترام قواعد القانون الدولي.

ومن هنا، فإن التعويل على هذا الاعتراف باعتباره اختراقًا سياديًا يعكس قراءة عاطفية للمشهد أكثر مما يعكس فهمًا واقعيًا لطبيعة العلاقات الدولية وآليات إنتاج الشرعية.

(الأمم المتحدة بوصفها الفيصل القانوني)

كما أن الاعترافات، في النظام الدولي، لا تُقاس بعددها ولا بأسماء الدول التي تصدرها، بل تُقاس بنقطة واحدة فاصلة تتعلق بموقف الأمم المتحدة وبقدرتها على إنتاج إجماع دولي جديد.

وفي هذه النقطة تحديدًا، يبقى الجواب سلبيًا بصورة قاطعة، إذ لا يزال الصومال، بحدوده المعترف بها دوليًا، عضوًا كامل السيادة في الأمم المتحدة.

ولا تزال صوماليلاند، من منظور القانون الدولي، جزءًا من هذه الدولة، مهما تعددت البيانات أو ارتفعت نبرة الخطاب السياسي.

وحتى لو افترضنا، على سبيل الجدل، أن دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو حتى الإمارات سارت في الاتجاه نفسه.

فإننا نكون أمام اعترافات انتقائية مسيّسة، لا أمام تحوّل قانوني شامل، وهو أمر تؤكده تجارب تاريخية عديدة لكيانات نالت اعترافات من دول وازنة، لكنها بقيت لعقود طويلة خارج إطار الشرعية الدولية دون أن تتحول إلى دول مكتملة الأركان.

(الشرعية الداخلية قبل الأختام الخارجية)

وفوق ذلك كله، فإن الواقع على الأرض لا يُبنى بالاعتراف الخارجي وحده، لأن الشرعية لا تُستورد جاهزة، بل تُنتج داخليًا عبر مسارات معقدة تشمل التوافق الوطني والاستقرار السياسي والقبول الإقليمي.

وهي عناصر لا تزال محل جدل عميق ليس على مستوى الصومال كدولة فحسب، بل حتى داخل صوماليلاند نفسها.

ومن هذا المنطلق، فإن تضخيم الاعتراف الإسرائيلي أو تصويره كنقطة تحوّل تاريخية لا يخدم الفهم الواقعي للمشهد.

بل يندرج في إطار التوظيف السياسي والإعلامي أكثر من كونه توصيفًا دقيقًا للوقائع.

فالدول لا تولد بالتصريحات، والخرائط لا تُرسم بالاعترافات المنفردة، والواقع الدولي أثقل بكثير من أن يُحرّكه قرار صادر عن دولة واحدة.

مهما كان موقعها أو تحالفاتها، ما يجعل الاعتراف الإسرائيلي حدثًا سياسيًا عابرًا في لعبة المصالح، لا أكثر.

(مسؤولية الإدارة الحاكمة وخطأ البوصلة)

وإلى جانب الجدل المتعلق بقيمة هذا الاعتراف، تبرز مسؤولية الإدارة الحاكمة في صوماليلاند عن الذهاب إلى هذه الخطوة وما يترتب عليها من تبعات سياسية وأخلاقية.

فالأمر هنا لا يتعلق بخيار دبلوماسي عادي قابل للأخذ والرد، بل بقرار يلامس حدود الخطأ التاريخي، ويقترب في رمزيته من مرتبة الإثم السياسي والأخلاقي.

فقد تصرفت هذه الإدارة، وهي ترحب بالاعتراف، وكأنها حققت إنجازًا سياديًا كبيرًا، في حين أن الواقع يشير إلى العكس تمامًا.

إذ إنها رهنت قضيتها، التي تقول إنها قضية تقرير مصير، ببوابة إحدى أكثر القضايا حساسية في الوعي العربي والإفريقي والإسلامي.

واضعة نفسها في خندق كيان قائم على الاحتلال والصراع، لا في موقع الباحث عن شرعية دولية متوازنة ومقبولة.

(العزلة بدل القبول الإقليمي)

هذا السلوك يكشف عن سوء تقدير سياسي وضيق أفق استراتيجي في آن واحد.

فالاعتراف الإسرائيلي لا يفتح أبواب الأمم المتحدة، ولا يغيّر موقف الاتحاد الإفريقي، ولا يكسب تعاطف الجوار الإقليمي.

بل على العكس، يعمّق العزلة ويضع صوماليلاند في مواجهة وجدان شعبي واسع يرى في هذه الخطوة اصطفافًا أخلاقيًا خاطئًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

والأخطر من ذلك أن الإدارة الحاكمة تعاملت مع القضية وكأنها صفقة آنية، لا مسارًا تاريخيًا طويلًا.

متجاهلة أن الدول لا تُبنى بالقفز فوق السياق الإقليمي، ولا بتجاهل المزاج الشعبي، ولا بمقايضة الشرعية السياسية بتحالفات تثير انقسامًا حادًا في العالم.

ومن يسلك هذا الطريق لا يختصر المسافة، بل يحرق الجسور التي قد يحتاجها لاحقًا.

(تشويه الصورة وتكلفة الخيار)

ولا يقف أثر هذا القرار عند الإضرار بالصومال كدولة، بل يمتد ليصيب صوماليلاند نفسها في صورتها ومكانتها.

فبدل أن تُقدَّم كنموذج استقرار أو تجربة سياسية قابلة للنقاش، باتت تُقدَّم ككيان يبحث عن الاعتراف بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن الاصطدام بالقيم وبالتاريخ وبالوعي الجمعي لشعوب المنطقة.

ولهذا، فإن الخطأ هنا ليس تقنيًا ولا تكتيكيًا، بل هو خطأ في البوصلة، يُسجَّل على الإدارة الحاكمة لا على السكان، ويُقرأ مستقبلًا بوصفه لحظة انحراف لا لحظة إنجاز.

فبعض الخيارات، حين تمس القيم والمصير والذاكرة، تظل عالقة في سجل التاريخ لا كخطوات شجاعة، بل كقرارات كان يجب ألّا تُتخذ.

(فرح الناس بين البراءة والوهم)

وبعيدًا عن صخب البيانات وضجيج المنصات واللغة المتصلبة للسياسة، يبقى المشهد الأكثر إيلامًا هو مشهد بعض أبناء صوماليلاند الذين استقبلوا هذا الاعتراف بفرح صادق وأمل بريء.

فهنا لا يصح خطاب الغضب ولا الإدانة الجارحة، بل يفرض نفسه الرثاء والشفقة.

هؤلاء لم يفرحوا لأنهم اختاروا الاصطفاف مع هذا الكيان أو ذاك، بل لأنهم تعبوا من الانتظار وتآكلهم الإحباط وطالت عليهم سنوات العزلة والتهميش واللايقين.

وكان فرحهم أقرب إلى فرح الغريق بأي خشبة، وابتسامة من أنهكته السنوات فتوهم أن الضوء الذي لمحَه في آخر النفق هو فجر حقيقي لا مجرد انعكاس خادع.

(استغلال الأحلام وكلفة الخيبة)

وهنا تكمن المأساة الحقيقية، لأن الكيان الذي جاءهم بالاعتراف ليس حامل خلاص ولا نصير مظلومين، بل كيان اعتاد أن يتغذى على النزاعات وأن يستخدم الآمال المكسورة وقودًا لمصالحه.

فالاعتراف لا يُمنح حبًا ولا احترامًا، بل يُمنح استخدامًا.

وهذا الكيان، كما خبرته الشعوب من حولهم، لا يصنع دولًا ولا يبني شرعية، بل يترك خلفه انقسامات أعمق وعزلة أشد وثمنًا أخلاقيًا باهظًا يدفعه الأبرياء قبل الساسة.

والرثاء هنا ليس للأحلام نفسها، بل للطريقة التي جرى بها استغلال هذه الأحلام.

إذ لا ذنب لشاب في هرچيسا، أو رب أسرة في برعو أو طالب أنهكته الهجرة والبطالة، أن يُقنعه قادته بأن هذا الاعتراف هو بداية الخلاص.

(حكم التاريخ لا يرحم)

هؤلاء لا يحتاجون إلى شماتة ولا إلى تخوين، بل إلى حقيقة تُقال بهدوء.

مفادها أن الفرح الذي بُني على وهم سرعان ما يتحول إلى خيبة أعمق من كل ما سبقها.

وأن الاعتراف الذي لم يفتح بابًا حقيقيًا، ولم يغيّر موقعهم في العالم، ولم يضف لهم كرامة ولا أمانًا، لم يكن انتصارًا بقدر ما كان لحظة عاطفية عابرة في مسار طويل ومعقّد.

وحين يكتب التاريخ هذه الصفحة، فإنه لن يقسو على هؤلاء الناس، بل سيقسو على من قادوهم إلى هذا الفرح المؤقت، وتركوا لهم لاحقًا عبء الخيبة وحدهم.

✍️ بقلم:
حسن محمد حاح
كاتب صحفي صومالي


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #"إسرائيل #✍️ بقلم: حسن محمد حاح كاتب صحفي صومالي #أخبار العالم الآن #أزمة إنسانية في الصومال #أزمة الصومال #العالم الآن alalamalan #العالم الآن الإخبارى alalamalan

اخبار مرتبطة