في جولتي بين الصحف اليوم طالعت عدة مقالات من بينها التحديات التي يواجهها الخليج في خضم الحرب الجارية، ومقال عن “محاولات لتسليح الأكراد من أجل مجابهة النظام في إيران”، وآخر عن ضرورة التفكير بـ “احتواء تركيا” بعد إسقاط النظام في إيران.
نستهل جولتنا من الفايننشال تايمز البريطانية وافتتاحية بعنوان “ملاذ الخليج الآمِن يتعرّض للقصف”.
ونوّهت الصحيفة إلى أن دول الخليج الغنيّة بالنفط والغاز ظلت على مدى عقود تسوّق لنفسها بأنها دَوحات للاستقرار في شرق أوسط يتسم بالاضطراب، حتى جاءت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من الناحية الأخرى بـ “سيناريو كابوسي” طالما أقضّ مضاجع قادة الخليج.
وهنا يجب الإلتفات إلى أن رسالة هؤلاء القادة قبل اشتعال الأوضاع كانت واضحة وهي أنهم “أرادوا أن يظلوا بعيدين عن صراعٍ حثّوا الولايات المتحدة على تجنُّبه”.
وبمجرد اشتعال الحرب، كان الردّ الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية “متهوراً” في سماء عواصم طالما كانت وجهاتٍ ومقاصد آمنة للتجارة والسياحة، لا سيما دبي والرياض والدوحة،وغيرها من عواصم دول الخليج
ربما اعتقدت إيران أنها بهذه الهجمات قد تضغط على الولايات المتحدة فتتراجع الأخيرة عن التصعيد، لكن ما حدث أنها أغضبت قادة الخليج الذين سبق ودفعوا صوب حلّ دبلوماسي، ليصبحوا الآن وهم يفكّرون في اتخاذ خطوات تصعيدية ضد طهران.
ورغم ما أحدثتْه الحرب خلال الأيام الماضية من أضرار بقطاعات الأعمال والسياحة، إلا أنه من السابق لأوانه حساب الآثار الاقتصادية بعيدة المدى لتلك الحرب على هذه الدول،
في المقابل أن غياب الرؤية الواضحة لدى ترامب ونتنياهو فيما يتعلق بـ “إيران ما بعد الحرب” قد أوجد حالة خطيرة من عدم اليقين.
“إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب ضد النظام الإيراني من دون الإطاحة به، تكون بذلك قد تركت لدول الخليج في محيطهم نَمِراً جريحاً أثبتَ قُدرةً واستعداداً لقصف عواصم تلك الدول، وإذا أطاحت الولايات المتحدة بالنظام في إيران، تكون بذلك قد تركت لدول الخليج في محيطهم دولة فاشلة ومُفتتة من غير المرجّح أنْ تشهد عمليةَ انتقال مُنتظم إلى دولة معتدلة وصديقة”.
وأختتم الحديث قائلاً إن الخليج بذل قصارى جهده لإظهار الهدوء، ولدى الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص مهارة في التعافي وإعادة البناء، لكن حتى لو حدث خفض تصعيد سريع أشبه بما يكون بالمعجزة، فقد أظهرت هجمات إيران هذا الأسبوع للعالم أن الخليج ليس بمنأى عن الهشاشة والصراع اللذين ابتُلي بهما جزء كبير من بقية الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تبقى العلامة التجارية للمنطقة قائمة، غير أن بريقها قد يكون آخذاً في التراجع،
وهنا أشير أيضاً إلي إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA” وإسرائيل تعكفان على تسليح قوات كردية في العراق وإيران من أجل مجابهة النظام في طهران، ما يثير مخاوف من نشوب صراع طائفي واتساع حرب إقليمية قد تمتد إلى سوريا وتركيا.
واضيف بأن الرئيس ترامب هاتَف قيادات كردية في العراق وإيران خلال الأيام القليلة الماضية يدعوهم إلى دعم الخطة، التي قد تنطوي على هجوم كردي مسلح خلال أيام في شمال غرب إيران.
لافتاً إلى أن هذا التواصل من جانب ترامب يأتي بعد أسابيع معدودة من قطع الدعم عن أكراد سوريا – الذين هزموا تنظيم الدولة الإسلامية ميدانياً – والتحوُّل بهذا الدعم إلى النظام الجديد في دمشق ذي الخلفية الإسلامية.
وأن الآلاف من أكراد إيران مسلحون على الحدود مع العراق، ومعظمهم ينتمون إلى كردستان العراق، وهو الإقليم الذي طالما تحالف مع خصوم نظام صدام حسين.
وهنا أؤكد أن أي محاولة لتسليح أكراد إيران من أجل مجابهة طهران تتطلّب تعاوناً من جانب القيادات في كردستان العراق، الذي سيتدفق عبره السلاح قبل أن يصل إلى أيدي أكراد إيران.
في المقابل قال مسؤول بارز من أكراد إيران لشبكة سي إن إن: “نعتقد أن لدينا فرصة كبرى سانحة”، مشيراً إلى أن كثيرين يتوقعون المشاركة في هجوم بريّ وشيك بدعم من الأمريكيين وإسرائيل.
فيما أفادت مصادر كردية أخرى بأن الهجوم بالفعل اتخذ اسماً هو “جينا”، أي الاسم الأوسط لـ مهسا أميني، الشابة الكردية التي لقيتْ مصرعها وهي بحوزة الشرطة الإيرانية في عام 2022 مما أشعل حركة احتجاجات واسعة.
ملفتاً إلى قيام إسرائيل، منذ مقتل المرشد الأعلى خامنئي في أول أيام الحرب المستعرة، بقصفٍ مُمنهَج لنقاط أمنية في مناطق كردية بشمال غربي إيران، في ما يبدو أنه تحضير واضح لهجوم.
وفي المقابل، رصدنا تعبئة الحرس الثوري الإيراني قواتٍ برية إضافية في ذات الوقت.
ويُعتبر الاكراد من المجموعات القليلة المسلحة المناوئة للنظام في إيران، وذلك بفضل الراوبط العِرقية العابرة للحدود، وأيضاً هناك مجموعة أخرى مسلحة من قومية البلوش الانفصالية في الجنوب.
أما العرقية القومية الفارسية، التي تشكّل حوالي 80 في المئة من السكان، فليس بينها أي مجموعة مسلحة مناوئة للنظام في إيران ذات الـ 93 مليون نسمة – والتي لا تتجاوز نسبة الأكراد فيها 10 في المئة أو أقلّ.
وأري، أن الخطة الإسرائيلية-الأمريكية هي استراتيجية محفوفة بالمخاطر كـ”اللعب بالنار” كفيلة بتفتيت المعارضة وبتوحيد جبهة النظام كمُدافع عن وحدة البلاد وسيادتها.، و أصفها بالفكرة “المرعبة”، والتي من شأنها تحويل الصراع إلى “حرب أهلية طائفية وحرب إقليمية”.
حيث أن الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ “تُحيّدان التهديد الذي تمثّله إيران إقليمياً، يتعين عليهما ضمان ألا تأخذ تركيا مكانها”، مشيراً إلى أن إيران سبق واستغلت فراغ السلطة الذي أحدثه سقوط صدام حسين في حرب العراق ووسّعت نفوذها الإقليمي.
من هنا أرصد انتقاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للهجمات التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ووصفه لها بـ”الانتهاك الواضح” للقانون الدولي، فضلاً عن حُزنه لمقتل المرشد الأعلى خامنئي.
فإن أردوغان لم يُظهر أيّ تعاطف مع آلاف الأبرياء الإيرانيين الذين فقدوا حياتهم خلال مظاهرات يناير/كانون الثاني، بل وأفادت تقارير بأن الحكومة التركية نسّقت مع طهران عملية اعتقال أشخاص تظاهروا ضد النظام الإيراني في تركيا.
بل إن أردوغان يحلم بالخلافة على العالم الإسلامي، وهو ما يشرح الموقف التركي كعضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو” إزاء إيران.
من هنا أتسأءل: “هل ينبغي على حلف الناتو الاستمرار في علاقته مع تركيا؟ وما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به في الشرق الأوسط بعد سقوط النظام الإيراني؟”.
واختتم بالقول: “عند النظر في السؤالين السابقين، ينبغي على الولايات المتحدة ألا تنسى أن تركيا تعارض السياسة الخارجية الأمريكية وأنها تمثل صداعاً للحلفاء الأمريكيين”.
كاتب المقال المستشار الدكتور الحبيب النوبي دبلوماسي ـ أكاديمي – مستشار في الديوان الملكي السعودي وأستاذ زائر في كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن
-الرئيس التنفيذي للنادي الدولي لسفراء السلام في نيويورك – مساعد المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية وشؤون اللاجئين -أستاذ منتدب في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية بجامعة سيتون هول (الولايات المتحدة)، ومدير معهد الدراسات الإستراتيجية والديمقراطية (ISSD) في مالطا، وأستاذ زائر في كلية العلوم الإنسانية بجامعة سول بلاتجي (جنوب أفريقيا)، ومستشار سابق

