مصر انبعاثاتها محدودة لكنها لاعب رئيسي في الجهود الدولية للمناخ
محطة بنبان من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم.. ومصر مؤهلة لتكون مركزًا عالميًا للطاقة النظيفة
– مصر وضعت استراتيجية وطنية طموحة للتكيف مع التغيرات المناخية حتى 2050
– لم نصل بعد إلى مرحلة “اللاعودة”.. لكن نافذة الإنقاذ تضيق بسرعة
– الأنشطة البشرية رفعت حرارة الأرض 1.5 درجة منذ الثورة الصناعية
– الفيضانات والحرائق والأعاصير.. مؤشرات دخول عصر مناخي أكثر اضطرابًا
– الاقتصاد الأخضر هو الطريق الوحيد للتوازن بين التنمية وحماية البيئة
– التغير المناخي يهدد الأمن الغذائي ويزيد الاعتماد على الاستيراد
– العدالة المناخية.. الملوث يدفع الثمن وليس الدول الفقيرة
– الجامعات والشباب خط الدفاع الأول في مواجهة التغيرات المناخية
– نحتاج خطة وطنية للتربية البيئية ودمج قضايا المناخ في المناهج الدراسية
……………………………………
في ظل ما يشهده العالم من كوارث مناخية متسارعة، ووسط تحذيرات العلماء من ضيق “نافذة الأمل” لإنقاذ كوكب الأرض، تزداد الحاجة إلى قراءة علمية هادئة تكشف أبعاد الأزمة وتضع حلولًا واقعية لمواجهتها.
وفي هذا الحوار مع الخبير البيئي الدكتور عبد المسيح سمعان استاذ التربية البيئية بجامعة عين شمس ، نفتح ملفات التغير المناخي من مختلف زواياه: من حرائق الغابات وذوبان الجليد، إلى تهديد الأمن الغذائي والمائي، وصولًا إلى جهود مصر في الحد من الانبعاثات والتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
أجرى الحوار: عمر عبد العلى
تصوير: خالد عيد
……………………….
* بداية، كيف تفسرون التغيرات المناخية التي يشهدها العالم الآن؟
– بدايةً، يجب أن نفرّق بين الطقس والمناخ؛ فالطقس يعبر عن حالة الجو خلال يوم أو أسبوع، بينما المناخ يمثل نمطًا طويل الأمد قد يمتد لعقود تصل إلى خمسين عامًا.
الاضطراب الذي نعيشه اليوم ليس تغيرًا طبيعيًا كما شهدته الأرض عبر آلاف السنين، بل هو تسارع غير مسبوق بفعل النشاط البشري، خاصة حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات. لم نصل بعد إلى مرحلة “اللاعودة”، لكن نافذة الإنقاذ تضيق، وكل عام يمر دون خفض جاد للانبعاثات يجعل العودة أصعب.
ولتوضيح الأمر، فإن النسبة الطبيعية لغاز ثاني أكسيد الكربون كانت 280 جزءًا في المليون، واليوم تجاوزت 420 جزءًا في المليون بفعل الأنشطة البشرية. هذا الغاز يمنع الأشعة الحرارية طويلة الموجة من مغادرة الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض بشكل خطير.
* إلى أي مدى ساهم النشاط الإنساني في تسريع وتيرة التغير المناخي مقارنة بالدورات الطبيعية للأرض؟
– الدورات المناخية الطبيعية تحدث على مدى آلاف السنين، بينما نشهد اليوم تغيرًا خلال عقود قليلة فقط. .ما عجّل بالاحترار العالمي أضعاف ما كانت تفعله الطبيعة وحدها.
منذ عام 1860 ارتفعت حرارة الأرض بنحو 1.5 درجة مئوية نتيجة الأنشطة البشرية، وعلى رأسها التصنيع المفرط الذي تتحمله الدول الصناعية الكبرى، إلى جانب قطع الأشجار، إبادة الغابات، وتزايد الغبار الجوي.
* ما أبرز المؤشرات العلمية التي تؤكد أن الأرض تدخل عصرًا مناخيًا أكثر اضطرابًا؟
* هناك العديد من المؤشرات؛ منها الفيضانات التي تجتاح مناطق لم تعرفها من قبل، والسيول الجارفة، والأمطار الغزيرة غير المعتادة، إضافة إلى تزايد حموضة المحيطات. كما نشهد أعاصير مدمرة وحرائق غابات على نطاق واسع، يقابلها جفاف شديد في مناطق أخرى. كل هذه الظواهر تعكس خللًا واضحًا في حزام الأمطار العالمي وتحولات جوية غير مسبوقة.
* الحرائق التي نشهدها في أوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا، هل هي نتيجة مباشرة للتغير المناخي؟
– بالتأكيد، فالتغيرات المناخية أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الحرائق. شرارة صغيرة قد تتحول إلى كارثة بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، حيث أصيبت مساحات شاسعة من الغابات بالجفاف، ما سهّل امتداد النيران بسرعة كبيرة.
* إلى أي مدى يؤثر ذوبان الجليد في القطبين على التوازن البيئي؟
– الذوبان يرفع مستوى سطح البحر، ويغيّر تيارات المحيط، ويقلل انعكاس أشعة الشمس، وهو ما يسرّع الاحترار العالمي ويهدد النظم البيئية البحرية مما يرفع منسوب مياه البحار والمحيطات ويهدد المجتمعات الساحلية بالهجرة القسرية…
* هل دلتا النيل مهددة فعليًا بالغرق نتيجة تداعيات التغير المناخي؟
– دلتا النيل لن تغرق.. الدولة اتخذت إجراءات صارمة في هذا الشأن، منها بناء مصدات للأمواج على الساحل الشمالي للحد من اندفاع مياه البحر، إلى جانب مشروعات قومية مثل إعادة إحياء مشروع منخفض القطارة.
* ما تأثير ارتفاع مستوى البحر على مدن مثل الإسكندرية ودمياط ورشيد؟
– الخطر الأكبر يتمثل في غمر المناطق المنخفضة، وتملح التربة والمياه الجوفية، وهو ما يضر بالزراعة والبنية التحتية والمباني السكنية.
* هل مصر ضمن الجهود الدولية للحفاظ على البيئة والحد من التغيرات المناخية؟
– بالفعل، مصر تلعب دورًا فعالًا في المنظومة الدولية، والدليل تنظيمها مؤتمر المناخ (COP27) الذي خرج بتوصيات مهمة، أبرزها إنشاء صندوق للخسائر والأضرار لدعم الدول الفقيرة. انبعاثات مصر من ثاني أكسيد الكربون محدودة للغاية، ومع ذلك فهي ملتزمة بالاتفاقيات الدولية، والإرادة السياسية واضحة من خلال مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي المستمرة في الفعاليات الدولية الخاصة بالمناخ..
* كيف تؤثر التغيرات المناخية على الزراعة عالميًا؟
– ارتفاع الحرارة ونقص المياه يقللان إنتاجية محاصيل رئيسية مثل القمح والأرز، ويغيران مواسم الزراعة، ما يزيد الضغط على المزارعين.
وما انعكاسات ذلك على الأمن الغذائي؟*
– تراجع الإنتاج المحلي يجعل الدول أكثر اعتمادًا على الاستيراد، وهو أمر خطير في ظل تقلبات الأسعار العالمية.
*هل هناك خطر على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه؟
– تغير أنماط الأمطار في الهضبة الإثيوبية مع بعض المشروعات الإقليمية قد يؤدي إلى تقليل تدفقات النهر.
* ما أهم أولويات مصر للتكيف مع التغيرات المناخية؟
-من خلال إدارة المياه بكفاءة، حماية السواحل، التوسع في الطاقة النظيفة، ودمج البعد المناخي في التخطيط العمراني والزراعي.
* هل هناك تواطؤ من بعض الدول الصناعية؟
– للأسف،بعض الدول تضع مصالحها الاقتصادية فوق المصلحة البيئية، وتعرقل الالتزامات الدولية بخفض الانبعاثات.
* لماذا تفشل المؤتمرات الدولية أحيانًا؟
– لأنها غير ملزمة قانونيًا، وغالبًا ما تخضع للحسابات السياسية والاقتصادية الضيقة. دول الجنوب التي تسهم بأقل من 5% من الانبعاثات تدفع الثمن الأكبر، وهذا يتعارض مع مبدأ “العدالة المناخية” التي تعني تعويض المتضررين ودعمهم ماليًا وتقنيًا.
* كيف نحقق التوازن بين التنمية والالتزامات المناخية؟
– الحل عبر الاقتصاد الأخضر، الذي يخلق وظائف جديدة ويحافظ على الموارد، مع الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة الصناعة. ومصر تسير بخطى ثابتة نحو هذا التحول.
* ما تقييمك للمشروعات القومية التى تقوم بها مصر مثل محطة كهرباء بنبان للطاقة الشمسة ومحطات الطاقة الخضراء؟
– محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية من عالميًا، وتمثل إنجازًا ضخمًا. مصر لديها كل المقومات لتصبح مركزًا عالميًا لإنتاج الطاقة النظيفة، ومعظم المشروعات القومية تعتمد بالفعل على الطاقة الخضراء..
* هل النقل الكهربائي وتحلية المياه حلول مهمة؟
– نعم، خاصة إذا تم تشغيلها بطاقة متجددة. مصر قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الاتجاه، سواء عبر مشروعات النقل الكهربائي مثل الخط الثالث لمترو القاهرة أو مبادرات السيارات الكهربائية، وكذلك مشروعات تحلية مياه البحر لتعويض نقص المياه العذبة.
* ما تأثير التغير المناخي على الصحة العامة؟
– ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى الإجهاد الحراري، وزيادة أمراض الجهاز التنفسي والحساسية، ويزيد انتشار الحشرات الناقلة للأمراض في المناطق المدارية، ما قد يفتح الباب أمام أوبئة جديدة.
* كيف يؤثر تغير المناخ على الزراعة في مصر؟
– ارتفاع الحرارة وتغير أنماط الطقس يؤثران سلبًا على المحاصيل. مصر تعمل على تطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف والحرارة، إلى جانب التوسع في استصلاح الصحراء. لكن التحدي الأكبر هو التوازن بين النمو السكاني والموارد المحدودة.
* ماذا يعني مصطلح العدالة المناخية؟
– يعني أن الملوث يجب أن يدفع ثمن تلوثه. لا يجوز أن تتحمل الدول الفقيرة تبعات ما تسببت فيه الدول الصناعية الكبرى من انبعاثات، بل يجب على الأخيرة دعم برامج الحفاظ على البيئة في الدول النامية.
*ما دور الجامعات في التوعية البيئية؟
– الجامعات والمراكز البحثية لها دور محوري، وقد ركزت الاستراتيجية الوطنية للمناخ 2050 على أهمية البحث العلمي في التخفيف والتكيف. الجامعات المصرية بدأت تهتم بالبرامج البيئية، لكننا بحاجة إلى مزيد من الدعم وتوسيع نطاق الأبحاث التطبيقية.
* كيف يمكن إشراك الشباب في معالجة القضايا البيئية؟
– عبر منحهم أدوارًا حقيقية في المشروعات، وليس الاكتفاء بالشعارات. مبادرات مثل “تحضر للأخضر” خير مثال على مشاركة الشباب في التشجير، إنتاج الغاز الحيوي، وتحلية المياه.
* هل هناك حاجة لوضع خطة وطنية للتربية البيئية في مصر؟
-نعم، نحتاج إلى خطة وطنية شاملة تدمج التربية البيئية في المناهج الدراسية والأنشطة، مع بروتوكولات تعاون بين الوزارات المختلفة.
*ما أهمية دمج قضايا المناخ في المناهج الدراسية؟
– من الأفضل دمج البعد البيئي في مواد مثل العلوم والجغرافيا والدراسات واللغة العربية بدلًا من جعله مادة مستقلة تُحفظ وتُنسى. هذا الدمج يعزز الوعي ويجعل البيئة جزءًا من التفكير اليومي للطلاب..
* هل المناهج الحالية كافية؟
-هي تحتاج إلى تحديث شامل لتشمل قضايا البيئة والتغير المناخي من المرحلة الابتدائية حتى الجامعة..
*كيف يمكن تحفيز الطلاب على الاهتمام بالبيئة خارج المدرسة؟
-من خلال التعليم الخارجي: الرحلات البيئية، المبادرات الخضراء، المسابقات العملية، والإعلام التعليمي الموجّه للأطفال. هذه الوسائل تعزز الوعي البيئي بطريقة عملية وفعّالة.
*ما انعكاسات التغير المناخي على الأمن الغذائي المصري؟ وهل نحن مقبلون على نقص في سلة الغذاء الوطنية؟
– هذا تحدٍّ عالمي وليس مصريًا فقط، لكن مصر وضعت خططًا طموحة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، من خلال مشروعات قومية كبرى مثل الدلتا الجديدة، شرق العوينات، ومشروع المليون ونصف المليون فدان، لضمان الأمن الغذائي ومواجهة التغيرات المناخية.
أخيرًا، ما أهم أولويات مصر في استراتيجيات التكيف مع التغيرات المناخية؟*
– مصر تسير وفق خمسة محاور رئيسية ، تشمل تحقيق نمو اقتصادي منخفض الانبعاثات. وتعزيز القدرة على التكيف مع الآثار السلبية للمناخ ، والالتزام بالحوكمة والاتفاقيات الدولية.
وتطوير البنية التحتية في مجالات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
ودعم البحث العلمي وزيادة الوعي المجتمعي..
هذه الاستراتيجية مدعومة بجهود حقيقية في مجال الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة، وهو ما يضع مصر في مسار واضح نحو مواجهة التحديات المناخية.