يبدو أن الجنوب اليمني يتجه نحو انفصال ناعم بدعم إماراتي، وإن كان مؤجلاً دوليًا، في حين تسعى السعودية إلى محاولة لوقف هذا التقدم قبل أن يتحول إلى واقع غير قابل للتراجع.
رغم عدم إعلان انفصال رسمي فإن مؤشرات قيام كيان جنوبي جديد باتت واضحة
فقد تم رفع علم الجنوب بدلًا من علم الجمهورية اليمنية.
أيضا تم تشكيل إدارات محلية من عناصر الانتقالي . مع محاولات لضبط الأمن والحدود بصورة مستقلة . كذلك دعوات دولية مترددة للتعامل مع الوضع كـأمر واقع .
بالنسبة للرياض فإن التحركات الجنوبية المدعومة من الإمارات تهدد وحدة اليمن وتفتح باب لصراعات داخلية جديدة قد تتجاوز اليمن لتصل إلى السعودية نفسها خاصه فى المهرة الملاصقة للحدود
وتؤكد المؤشرات أن الرياض بدأت تحشيدًا عسكريًا، وهددت بقصف مواقع تابعة للمجلس اللانتقالي إن لم ينسحب من حضرموت والمهرة، في تصعيد غير مسبوق داخل تحالف واحد.
في هذا التعقيد تلعب الولايات المتحدة دوراً بالغ الحساسية
ف واشنطن هى اللاعب الصامت والحاكم من الخلف
فإدارة واشنطن تنسق مع الإمارات عسكريًا في ملف البحر الأحمر ومكافحة الحوثيين . ولكنها تحافظ على شراكة أمنية استراتيجية مع السعودية
و تسعى لمنع انفجار صراع مباشر بين الحليفين مما يربك أولوياتها في الخليج.
وهناك تقارير أمريكية تؤكد أن واشنطن تضغط حالياً لإعادة ضبط التوازن داخل التحالف اليمني . ولعدم الاعتراف بأي انفصال رسمي في الجنوب ولضمان استمرار المفاوضات مع الحوثيين دون تصعيد ميداني جديد.
فهل تنجح واشنطن فى حفظ التوازن داخل ساحة تتسع فيها الشروخ أكثر من الجسور ؟
وعلى الجانب الآخر ..
فى الوقت الذى تواصل فيه إثيوبيا سياسة فرض الأمر الواقع عبر استكمال مراحل تعبئة وتشغيل سد النهضة دون اتفاق قانوني ملزم . تعمل القاهرة فى صمت وبعد نظر على توسيع دوائر نفوذها فى إفريقيا ، ليس فقط من خلال الدبلوماسية التقليدية بل من خلال أدوات التنمية والتكامل الإقليمي.
عززت مصر تواجدها داخل دول حوض النيل فعملت على إنشاء شركات تعاون ثنائية تبرهن على أن القاهرة شريك تنمية حقيقي لا منافس استراتيجى.
وفى مواجهة السد الاثيوبي
قامت مصر ببناء مستقبلاً مختلفا فى تنزانيا. مستقبلاً قائماً على الشراكة لا الإقصاء . وهو بناء سد جوليوس نيريري فى تنزانيا ويعد أحد أكبر المشاريع المائية فى القارة الإفريقية . الذى تقوم شركات مصرية بتنفيذه بكفاءة وأمان عالية .فهو يعتبر نموذجاً لدعم تنمية أفريقيا بالمشاركة لا بالهيمنة.
نقيضا لسلوك إثيوبيا التى بنت سد النهضة بقرارات أحادية دون توافق إقليمي.
حيث تسعي إثيوبيا لاستخدام سد النهضة كورقة ضغط جيوسياسي على دولتى المصب مصر والسودان دون اعتبار لحقوقهما التاريخية فى مياة النيل.ودون التواصل إلى اتفاق ملزم مما يهدد الأمن المائي لشعوب المنطقة.
لنجد مصر تبرهن من خلال سد نيريري على أنها لا تعارض التنمية أو بناء السدود لكنها تدعمها بشرط التنسيق واحترام حق كل دولة فى البقاء والنمو .
ليصبح سد تنزانيا ليس مجرد مشروع تنموى. بل هو ورقة مصرية قوية في معركة إثبات النوايا واستعادة التوازن الإقليمي فى حوض النيل وكسر العزلة التى حاولت إثيوبيا فرضها على مصر .
فى الوقت نفسه تبعث القاهرة برسالة أن سد تنزانيا ليس فقط مشروعاً هندسيا ضخما بل هو مشروع سياسي واستراتجي ذكي يعكس كيف يمكن لمصر أن تستخدم أدوات التنمية كوسيلة لتعزيز نفوذها وتقديم نموذج مغاير للتنمية القائمة على التعاون لا الهيمنة داخل دول حوض النيل ..

