كان نقل جثمان، سيف الإسلام القذافي، من مستشفى «بني وليد» شمال غرب ليبيا إلى ساحة واسعة قرب مطار المدينة، ثم إلى مدفنه، كاشفًا. تدفقت الحشود القادمة من مناطق ليبية متفرقة: طرابلس، مصراتة، سبها، سرت، والجبل الغربي. قبائل رئيسية، وعواقل، وأفراد بدون إطار قبلي واضح. اصطف المشيعون على امتداد البصر. البعض يحمل أعلامًا خضراء. آخرون يرفعون صور الضحية. تجمع شعبي كبير يحمل دلالة سياسية مباشرة، تشير إلى قاعدة اجتماعية لاتزال ترى في الدولة المركزية القوية خيارًا مفضلًا على الفوضى المستمرة منذ 15 عامًا.
لا أعرف لماذا كانت الإجراءات الأمنية المشددة لاحقة، وليست سابقة لجريمة الاغتيال الغامضة. وصل الجثمان وسط حراسة كثيفة. تم غلق الطرق المؤدية إلى الموقع، مع فرض قيود واضحة على الحركة. حالة شبه متكررة منذ سقوط البلاد في يد تنظيمات مسلحة، وحكومات تدير العاصمة طرابلس بسياسة الأمر الواقع. تعالت الهتافات خلال تشييع الجثمان. راحت تندد بالقتلة، تطالب بالقصاص، وتعبر عن رفضها لجريمة الثالث من فبراير في «الزنتان»، ممثلة في اغتيال «سيف الإسلام»، عبر عملية احترافية تتقاطع فيها كيانات داخلية وخارجية.
صلاة الجنازة أُقيمت في الساحة الكبرى بـ«بني وليد». تم حمل الجثمان في موكب بطيء نحو موقع دفن «سيف الإسلام»، بجوار أخيه «خميس»، الذي قُتل قبل سنوات. كان الجو مشحونًا بالحزن الممزوج بغضب مكبوت يظهر في تعابير الوجوه. التجمع الكبير يطرح تساؤلات عدة: لو أن هؤلاء الذين وقفوا ساعات تحت الشمس لتوديع «سيف الإسلام» قرروا مبكرًا توجيه طاقتهم لمواجهة العناصر التي يصفونها بالخائنة أو المأجورة، ألم تكن تغيّرت الأحداث للأفضل؟ ألم يكن من الأجدى للحشود التي تجمعت بعد مصرعه بدافع الحزن أن تبادر بالتحول إلى قوة سياسية متماسكة تفرض تغييرًا حقيقيًا ينقذ البلاد من مصيرها المخطط؟
الغضب الواضح في الهتافات واللافتات، لماذا يظل محصورًا في الجنازات؟ لماذا لا تترجمه الحشود من خلال تشكيل لجان أو إعلان برنامج أو حتى مطالب موحدة تتجاوز الإدانة، وتحافظ على الطاقة العاطفية حتى لا تتبدد بعد انصراف الناس إلى بيوتهم، تاركين الساحة بـ«بني وليد» فارغة كما كانت؟ الانفصال بين الشعور الجماعي والفعل المنظم يكشف عن خلل كبير في التركيبة السياسية الليبية، واقع يتعارض مع ما هو معروف عن أحفاد «عمر المختار». لا يتعلق الأمر بنقص الإرادة أو الشجاعة الفردية، بل بغياب الإطار الجامع، وسط حنين مؤقت، رفض يتلاشى، وغضب يتكرر مع كل جنازة جديدة.
***
في 20 أكتوبر 2011، تم اغتيال الزعيم الليبي، معمر القذافي، قرب مدينة سرت. لم تكن المعركة متكافئة بين مجموعته المحدودة وميليشيات تحظى بدعم عواصم دولية طامعة في موقع ليبيا ومواردها النفطية، فضلًا عن عواصم دعم الإرهاب الإقليمي التي راحت تروج لميليشياتها الرئيسية «قوات المجلس الانتقالي». كان الانتقال الحقيقي حينها من الاستقرار إلى الفوضى. «موضة» شرق أوسطية ضربت المنطقة خلال الـ25 عامًا الماضية، مستنسخة ما تم في منطقة شرق أوروبا؛ مرة بزعم الثورة، وأخرى بالانتفاضة، دون عظة من الدول التي سقطت في الفخ، والشعوب التي أصبحت في تعداد اللاجئين والنازحين وضحايا الصراعات المفتوحة.
منذ 14 سنة و112 يومًا، وحتى الآن، فشل من دعموا «إسقاط النظام» في إعادة الدولة الليبية وفق الشعارات المرفوعة. فقط فتحوا المجال أمام تفكك وتفتيت المؤسسات. تراجع إنتاج النفط تحت ضغط السلاح، وتوسع نفوذ التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب. انتقل السلاح من يد الدولة إلى يد الميليشيات، وأصبحت الجغرافيا ساحة تنازع بين قوى خارجية، لكل منها وكلاؤها المحليون. تعاقبت حكومات بدون سيادة فعلية، ولولا البرلمان المنتخب شعبياً برئاسة المستشار عقيلة صالح، والجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، لتحول مخطط «الأقاليم الثلاثة: برقة، طرابلس، فزان» إلى واقع منذ سنوات نتيجة الانقسام والفوضى المفتوحة سياسيًا وإداريًا.
التجربة الليبية لم تكن استثناءً في منطقتنا. السيناريو نفسه تكرّر بأسماء مختلفة في دول عدة: إسقاط السلطة أولًا، ثم البحث لاحقًا عن دولة لا تأتي. القوى التي تدعم المخطط تقدّم خطاب «التحول الديمقراطي» كطعم يمهد للفراغ الأمني والسياسي الكبير. تتحمل الشعوب النتائج الكاملة من استقرارها، حريتها، سيادتها، ومقدراتها التي تضيع في الزحام. مجتمعات تعصف بها الانقسامات، ينهار اقتصادها. من يرفعون الشعار الخبيث «يسقط النظام»، لا يفرقون بين شكل الحكم وقدرة دولهم على البقاء. أقصد هدم السلطة، وفتح الأبواب للفوضى، وتسليم المفاتيح «سهوا، جهلاً، أو عمداً» للخصوم والأعداء.
***
المأساة في ليبيا ليست كاملة. اجتماعيًا، يعتبر هذا الحشد الشعبي تعويضًا عن فراغ التمثيل السياسي. في غياب الثقة بمعظم المكونات السياسية يصبح التجمع العاطفي وسيلة وحيدة لتعريف «نحن» مقابل «هم»، لكنه، غالبًا، تجمع رمزي وليس تنظيمياً. العاطفة الجماعية لا تملك آليات للنقاش أو التفاوض. تعتمد على الإجماع اللحظي، ما يمنعها من تحويل شعور الانتماء إلى فعل سياسي مستمر. في مصر، وحدنا استثناء. خاض شعبنا العظيم تجربة مريرة في يناير 2011، لكنه سارع بتصحيح مساره في 30 يونيو 2013. العظمة تنسحب على المؤسسات الوطنية، التي تحملت مسؤولياتها كحاضنة لـ«الفعل الشعبي».
اختلف الحشد المصري من حيث الدافع والاتجاه. كان رد فعل دفاعيًا ضد ما رآه غالبية المصريين تهديدًا وجوديًا للدولة الوطنية بعد عام من حكم الإخوان. تراكمت مؤشرات الخطر (مشروع الأخونة المعروف بالتمكين، إصدار الإعلان الدستوري المعوج، إقرار دستور مثير للجدل، فشل اقتصادي، تصاعد خطاب طائفي). كلها عوامل جعلت الحشد يستجيب بهدف محدد لاستعادة الدولة الوطنية. التعبئة كانت سريعة. هكذا إرادة شعبنا. ترفع حالة «الطوارئ الوطنية» في وقت قياسي. تحالفت جميع قوى المجتمع المصري مع المؤسسات، مدعومة بعاطفة جماعية، بغضب إيجابي، بقلق مشروع، بحنين لهوية وطنية موحدة.
كان الهدف محددًا: إسقاط حكم المرشد وإعادة الدولة للشعب ومؤسساته. لعبت القوات المسلحة، ومعها أدوات الضبط الاجتماعي، دور الحامي لتنفيذ مطالب الشعب ضمن إطار زمني واضح، ما حال دون انهيار مؤسسات الدولة. حشد 30 يونيو 2013 كان «ثورة تصحيح» حقيقية، أو بمعنى أصح «انتفاضة دفاعية»، نجحت في حماية الدولة من سيناريو كارثي محتمل لا يتوقف على الانقسام والتدخلات الخارجية والصراعات الطائفية، بل يتجاوزها إلى ما هو أخطر وأعمق. اليقظة الجماعية أنقذت البلاد من مشروع محتمل لتغيير هوية الدولة وتحويلها إلى أداة لمصلحة تنظيم لا يعرف الوطنية ولا يعترف بحدود السيادة.
خرجنا من دائرة الصدمات المزمنة لـ«الثورات الملونة»، التي سقط فيها غيرنا. أغروهم بـ«الأمل»، فإذا بهم وجهاً لوجه إمّا عنفًا، أو انقسامات، أو تدخلات خارجية لا تبقي ولا تذر. يتراكم الغضب الجماعي لكنه يظل عشوائيًا، فيتحول الخوف إلى خراب. حشد عاطفي يسمح فقط بتصريف الضغط النفسي والاجتماعي: تشييعًا لجنازات، مشاركة في مظاهرات أو احتجاجات. فعاليات تُظهر صراعًا داخليًا بين الرغبة في استعادة الكرامة وعدم القدرة على ترجمتها. شعور بالانتصار الرمزي يفتقد الثقة الاجتماعية، قبل العودة إلى الواقع المجزأ وتراكم الإحباط.
حوّلت جماعة الإخوان في ليبيا، وحلفاؤها في الإقليم والعالم، المشهد العام في البلاد إلى فرصة متواصلة للسطو على السلطة والثروة. استغلت الفراغ الحاصل بعد انهيار الحكم في تغذية الصراع بين فصائل متعددة وُلدت في زمن الفوضى. استفادت من الحرب الأهلية. لم تكن في حاجة لتقديم نفسها لقوى المصالح الدولية، فهي ثاني أكبر أدواتهم الوظيفية في المنطقة بعد إسرائيل. كان «سيف الإسلام القذافي» يمثل رمزًا لـ«المقاومة المحلية»، والمقاومة إذا لم تكن على مقاييس الإخوان وتحمي مصالحهم يناصبونها العداء، ويسعون إلى «وأدها» بكل السبل.
***
«سيف الإسلام»، من مواليد 25 يونيو 1972، أي بعد 3 سنوات من ثورة الفاتح (1 سبتمبر 1969) في ليبيا، بقيادة معمر القذافي ورفاقه، الذين أسقطوا الملك إدريس السنوسي، وأسسوا الجماهيرية تحت ظل نهج قومي عروبي- اشتراكي. وقتها، كان يوسف ندا (وزير خارجية الإخوان، مسؤول مخفظتهم المالية الكبرى حينها، ولاحقًا مسؤول بنك: التقوى، في جزر البهاما، كملاذ آمن لموارد الجماعة وأنشطتها، إلى جانب بنوك وشركات مالية أخرى في قارات العالم) ينشط في استثمارات ليبيا بعد هجرته من مصر. كان يدير نشاط الجماعة الاقتصادي والمالي عبر تنقلاته بين ليبيا والنمسا وسويسرا، قبل أن تغلق عليه تحالفات “القذافي” الأب وتوجهاته الطريق.
جرت في بحر الحياة مياه كثيرة. قبل 25 عامًا، تولى «سيف الإسلام» أدوارًا شبه رسمية في السياسة الخارجية والإصلاح الداخلي. سعى إلى تجديد شباب نظام الحكم. حواراته مع الغرب ومبادراته والإصلاحات الاقتصادية الجزئية كانت محل اهتمام وتباين في الحكم عليها داخليًا وخارجيًا. قبل 2011 أدار مشاريع مهمة، لاسيما مؤسسة القذافي العالمية للأعمال الخيرية والتنمية، التي غطت نشاطات إنسانية ووساطات دولية، مروِّجًا لخطاب أكثر انفتاحًا. مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية سارع (عبر إطلالاته التلفزيونية وأحاديثه الصحفية) إلى التحذير الاستباقي من الفوضى، لكن الغارقين في حملات العلاقات العامة التخريبية قرروا السير في الطريق حتى نهايته.
سقطت طرابلس. اختفى «سيف الإسلام» لفترة. حوكم غيابًا وحكم عليه بالإعدام. اعتقلته ميليشيات في مدينة الزنتان في العام نفسه. الحكم لم يُنفَّذ. ظل معتقلًا حتى أُفرج عنه عام 2017 بموجب قانون عفو عام. عاد إلى الزنتان. عاش تحت حماية محلية مشددة بعيدًا عن الأضواء. في 2021 أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية المؤجلة. قدم نفسه كمرشح يمثل خيار الدولة الموحدة ضد التشرذم. جمع حوله فريقًا سياسيًا صغيرًا وأصدر بيانات تدعو إلى مصالحة شاملة وإنهاء التدخلات الخارجية. لم يتمكن من الظهور العلني الكثير بسبب المخاطر الأمنية، لكنه بقي رمزًا لفئات ترى فيه إمكانية استعادة الاستقرار السابق.
غيَّبه من يخشون شعبيته في الثالث من فبراير الجاري داخل مدينته التي أحبها وأحبته. رصاصات غادرة أنهت مسيرته وتهدد الآن مشروعه السياسي (المصالحة الوطنية، توحيد ليبيا بعيدًا عن التدخلات الخارجية). في العمليات التي تنفذها دول يختفي المنفذون وتتبخر الأدلة. عملية اغتيال مدروسة، سريعة، منظمة. ليس غريبًا أن من شاركوا في التنفيذ ينطبق عليهم المثل «يقتلون القتيل ويمشون في جنازته». الجنازة أكبر من معناها التقليدي: تراكم الإحباط الشعبي، تفاقم الانقسام، وسطوة الميليشيات والمرتزقة في ليبيا، جنازات مستمرة بعد مصرع «سيف الإسلام». القادر نسبيًا على توحيد الصف لم يعد موجودًا. رحيله الدرامي أغلق بابًا محتملاً لعودة نظام مركزي كان سيحد من مؤامرة تقسيم الأقاليم الثلاثة وتداعياتها الكارثية.
***
نعم، جزء من المجتمع لايزال قادرًا على التحرك الجماعي، لكن الجانب السلبي يوضح أن الحشد يظل محصورًا في التعبير العاطفي المباشر. قوة العاطفة موجودة وقادرة على إنتاج مشاهد مؤثرة، لكن غياب التنظيم يحولها إلى طاقة مهدرة. الغضب الذي انفجر في الجنازة لم يجد طريقًا للتحول إلى خطوات سياسية متصلة، بسبب تشققات تاريخية ومعاصرة تمنع أي تجمع من الاستمرار كقوة موحدة. الانقسامات القبلية عميقة الجذور تجعل الولاء يتجه أولًا نحو العائلة والعشيرة قبل أي انتماء وطني عام. الانقسام الجهوي يعمق الشرخ بين الغرب والشرق. طرابلس ومحيطها يعتمدان على هيكل حكومي يدعمه الاعتراف الدولي، لكنه ضعيف أمام المجموعات المسلحة المحلية. في الشرق، البرلمان المنتخب شعبيًا والجيش الوطني.
الانقسام الفكري بين الإخوان وجماعات الإسلام السياسي من ناحية، وخصومهم الليبراليين والقوميين من ناحية أخرى، يزيد الوضع صعوبة. تباين يمنع صياغة حاضر مشتركة. غياب القيادة الكاريزمية (القذافي، الأب) منح «سيف الإسلام» فرصة نسبية لجمع الليبيين تحت راية واحدة تجمع الصفوف عبر المناطق والانتماءات، لكن جرى تغييبُه قبل أن يتحول إلى قائد فعلي. تضارب الولاءات يأتي من سيطرة السلاح والمال على القرارات. مجموعات مسلحة تعتمد على تمويل خارجي وداخلي يجعلها أقوى من أي هيكل وطني. قادتها يضعون مصالحهم المباشرة فوق أي انتماء عام. الرواتب والمنافع تأتي من خلالهم، فتصبح الولاءات مرتبطة بهم شخصيًا لا بالدولة. أسلوب يشل أي محاولة لتشكيل جبهة مستقلة عن هذه الشبكات المثيرة للجدل.
قوى خارجية تعمق الانقسام وتمنع توحيد البلاد. عواصم تدعم غرب ليبيا بالتدريب والعسكريين، وتؤمّن مصالحها في البحر الأبيض المتوسط. عواصم أخرى تحاول الحفاظ على وحدة البلاد، وترى ضرورة دعم المؤسسات الوطنية الحقيقية في الشرق (البرلمان والجيش). عواصم ثالثة تحافظ على وجود عسكري في الجنوب والشرق لأغراض لوجستية أوسع. الغرب الأوروبي-الأمريكي يتحايل على جميع المناطق ومكوناتها. تدخلات تمنع أي حشد شعبي من أن يكون قوة داخلية مستقلة.
***
الإرث النفسي لأكثر من أربعة عقود من الحكم المركزي الفردي يبقي الشعب غير مدرَّب على بناء عمل جماعي مستدام. اعتاد الناس على قرار يأتي من الأعلى، فغابت الخبرة في تشكيل منظمات أفقية أو مؤسسات تشاركية. هذا الإرث يجعل الغضب ينفجر في لحظات عاطفية ثم يعود إلى حالة الانتظار لقائد يقرر، بدلًا من أن يتحول إلى عمل منظم يبنيه المجتمع بنفسه. عوامل تحول الغضب إلى طاقة محبوسة لا تخرج إلى فعل سياسي مستمر. حجم الرفض واضح للواقع، لكنه أظهر أيضًا كيف تبقى القدرة على التغيير مشلولة نتيجة الشروخ الشاملة المتناقضة.
الجنازة كانت دليلًا على أن جزءًا كبيرًا من الليبيين لا يزال قادرًا على الخروج والتجمع والتعبير عن رفضه للواقع الحالي، يؤمن بفكرة الدولة الموحدة، ويرفض الفوضى المستمرة، ويرى في الاغتيال خطًا أحمر يمس الجميع. لكن الوقود وحده لا يصنع محركًا. من دون إطار تنظيمي يجمع الطاقة ويوجهها، ومن دون قيادة جامعة تتمتع بشرعية واسعة وتضع مصلحة الكيان الليبي فوق أي حساب آخر، فهل ينشأ منها بداية تيار وطني جديد؟ تيار لا يعتمد على فرد واحد، ولا على قبيلة واحدة، ولا على دعم خارجي، بل على مجموعة من المبادئ الواضحة: وحدة الأراضي، رفض العنف السياسي، شفافية توزيع الموارد، بناء مؤسسات محايدة؟
إذا لم يحدث هذا التحول الداخلي، فإن الدوران في الحلقة سيستمر. الجنازات ستتكرر، والحشود ستخرج مرة أخرى، والغضب سيتصاعد ثم يهدأ، والانقسام سيبقى يتغذى على نفسه. لكن إذا نجحت الواقعة الدامية في بني وليد (اغتيال سيف الإسلام القذافي) وتداعياتها في إيقاظ الوعي بأن العاطفة والشجاعة موجودتان، وأن النقص الوحيد هو الإطار الذي يجمعهما، فقد تكون هذه الجنازة، رغم مأساتها، بداية لشيء مختلف. ليس نهاية قصة، بل بداية فصل جديد يُكتب بأيدي الليبيين أنفسهم، بعيدًا عن الانتظار والاعتماد على الآخرين لوضع مسار وطني واضح؟
هذه المعطيات كان يجب أن تكون حاضرة، والليبيون الذين احتشدوا في تشييع جثمان «سيف الإسلام» يدفنون أحد أهم «أوراق الاصطفاف» الوطني في باطن الأرض، التي ينعم عليها الخونة والمرتزقة والقوات الأجنبية أكثر من أهل البلد أنفسهم. لكن هل سيظل الانقسام وتضارب الولاءات وحسابات السلاح والمال فوق الاعتبارات الجامعة؟ هل ينتبه الليبيون إلى أنهم عمدوا إلى تفريغ طاقتهم المكبوتة وتبدديها في صراعات «صفرية» بدل مواجهة الفشل السياسي والانقسام المجتمعي؟
