نسرين عبد الرحيم تكتب: الصين كما رأيناها من أسرار الحضارة إلى هندسة المستقبل

admin2023admin2023 16, ديسمبر 2025 16:12:19

ليست الصين مجرد دولة بعيدة على الخريطة، ولا قوة اقتصادية تُقاس بالأرقام وحدها، بل هي تجربة إنسانية وفكرية متكاملة، لا يمكن فهمها من خلال الزيارات السريعة أو الصور النمطية المتداولة. فالصين تُقرأ بعمق، وتُفهم بالسياق، وتُعاش بالتجربة.

رغم أنني زرتُ الصين سابقاً ضمن وفد مصري رسمي، إلا أن تلك الزيارة الأولى كانت أشبه بمرور عابر على شاطئ محيط واسع. أما رحلتي الأخيرة، فقد كانت غوصاً حقيقياً في عمق النموذج الصيني، رحلة امتدت لعشرين يوماً، غيّرت كثيراً من تصوّراتي، وأعادت تشكيل رؤيتي لمعنى التنمية، ودور الدولة، ومكانة الإنسان في مشروع النهضة.

رحلة معرفة لا سياحة

لم تكن الرحلة سياحية، بل جاءت في إطار مشاركتي في ورشة عمل متخصصة نظمتها وزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية، بالتعاون مع مركز فوجيان للتعاون الاقتصادي الدولي، وهو أحد أبرز مراكز التدريب وبناء القدرات على مستوى العالم.

جمعت الورشة بين المعرفة النظرية، والتطبيق العملي، والحوار المفتوح، وقدمت نموذجاً متكاملاً لكيفية بناء الإنسان قبل بناء الاقتصاد، وهو ما شكّل المدخل الحقيقي لفهم التجربة الصينية.

برنامج تدريبي بعقل الدولة

تميزت الورشة بتصميمها الاحترافي، تحت قيادة:

السيد هوانغ آن – مدير التدريب

السيد وو زي بين – نائب المدير

السيد شو هوا يي – المدير العام

وبإشراف فريق دقيق ومتفانٍ، ضم: لين شيانشين، تشان ينغيي، تشان بيشوان، وانغ يو شياو، ليو تينغيو.

هذا الانضباط لم يكن شكلياً، بل انعكس في كل تفصيلة: من دقة المواعيد، إلى تسلسل الموضوعات، إلى الربط المستمر بين النظرية والواقع.

الصين من الداخل: الفلسفة قبل السياسات

بدأ البرنامج بتقديم صورة شاملة للظروف الوطنية الأساسية للصين، لفهم كيف تدير دولة تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة تنوعها السكاني والجغرافي والثقافي.

ثم انتقلنا إلى تحليل:

النظام السياسي الصيني وكيفية تحقيق الاستقرار عبر القيادة الحزبية.

النظام الاقتصادي ومساره الخاص الذي يدمج بين التخطيط الاستراتيجي وقوى السوق.

السياسات الاقتصادية الراهنة في ظل التحولات العالمية.

السياسة الخارجية الصينية ومكانة الصين في النظام الدولي.

وكان واضحاً أن الصين لا تفصل بين السياسة والاقتصاد، بل تنظر إليهما كمسارين متكاملين في مشروع وطني واحد.

الإنتاجية، الابتكار، والإنسان الرقمي

من أكثر المحاور عمقاً، كان الحديث عن:

تطوير القوى الإنتاجية المتقدمة في العصر الرقمي

التجربة الصينية في إصلاح الحكومة

بناء حكومة الخدمات

بناء حكومة قانونية في العصر الرقمي

هنا أدركنا أن التحول الرقمي في الصين ليس مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل إعادة تعريف لدور الدولة، حيث تصبح الحكومة خادمة للتنمية، وحاضنة للابتكار، وضامنة للعدالة.

كما تناولت الورشة:

تحسين بيئة الأعمال للاقتصاد الرقمي

تنمية الاقتصاد الخاص بجودة عالية، خاصة في مقاطعة فوجيان

دعم ريادة الأعمال وخلق أجواء جديدة لتمكين الشباب

من المدن إلى القرى: تنمية بلا استثناء

أحد أكثر النماذج إلهاماً كان مشروع تعيين خريجي الجامعات كمسؤولين قرويين، وهو مشروع يجسد فلسفة الصين في:

سد الفجوة بين الريف والحضر

ربط التعليم بالتنمية

إعداد كوادر شابة تفهم المجتمع من جذوره

كما تم عرض التخطيط العام القائم على دمج العناصر الخمسة، كنموذج للتنمية المتوازنة التي لا تهمّش الإنسان أو البيئة.

الحزام والطريق: رؤية لا مشروع

لم يكن الحديث عن مبادرة الحزام والطريق ترويجاً سياسياً، بل قراءة استراتيجية لفرص التعاون الدولي، خاصة مع الدول العربية، في إطار شراكات قائمة على:

المنفعة المتبادلة

احترام الخصوصيات

التنمية المشتركة

وهو ما يفسر توسع الحضور الصيني عالمياً دون صدامات كبرى.

من القاعات إلى الشارع الصيني

تكاملت المعرفة مع زيارات ميدانية شملت:

السبع أزقة والثلاث مسارات

مدرسة حزب فوجيان

مشروع 3028

مدن تشانغتشو وشنهاي

قرية الشاي ومتاحف الثقافة الشعبية

متحف التصميم العمراني بفوتشو

وفي كل محطة، رأينا كيف تحافظ الصين على هويتها، وهي تتقدم بثبات نحو المستقبل.

الصين… إنسان قبل كل شيء

بعيداً عن الجداول والمحاضرات، كانت الشوارع النظيفة، والنظام الدقيق، وابتسامة الناس، أكبر درس. فالصين لا تبني فقط طرقاً ومبانٍ، بل تبني ثقافة احترام الوقت، والعمل، والآخر.

تحية للدبلوماسية الصينية في مصر

ولا تكتمل الصورة دون الإشادة بالسيد يانغ يي، قنصل عام الصين بالإسكندرية، الذي قدم نموذجاً راقياً للدبلوماسي المثقف، الإنسان، القادر على بناء جسور حقيقية بين الشعوب، وجعل من القنصلية مساحة إنسانية قبل أن تكون رسمية.

خاتمة

لم تكن الأيام العشرون مجرد برنامج تدريبي، بل رحلة وعي. رأيتُ فيها كيف تتحول الفلسفة إلى سياسة، والسياسة إلى إنجاز، والإنجاز إلى حياة أفضل.

رأيت الصين كما رأيناها نحن…
لا كما تُحكى، بل كما تُعاش.

وخرجت منها إنسانة أخرى، أكثر فهماً للعالم، وأكثر إيماناً بأن النهضة ليست معجزة، بل اختياراً واعياً، وعملًا طويلاً، واحتراماً للإنسان.



اخبار مرتبطة