محمد فؤاد البرى يكتب:السبعينيات.. عقد التحولات الكبرى والجنائز العظمى

admin2023admin2023 30, سبتمبر 2026 14:09:26

رغم أن عقد السبعينيات شهد النصر العسكري، فإنه كان شاهدًا أيضًا على الهزيمة الثقافية التي بُليت بها مصر نتيجة لتوابع قوانين الانفتاح الاقتصادي سنة 1974.

شهد عقد السبعينيات أحداثًا جعلتنا نشعر بالفعل أن المجتمع دخل مرحلة جديدة من الحياة تختلف عن سابقتها، وشهد العقد التحول الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في بنية المجتمع المصري وسلوكه:

  • انتقل فيه المجتمع من الاشتراكية إلى الرأسمالية، ومن قوانين العدالة الاجتماعية والتأميم إلى قوانين الانفتاح الاقتصادي والسمسرة، ومن حالة الحرب إلى حالة السلم.
  • عقد تبدل فيه العدو مع الصديق.
  • عقد تبرأت مصر من عروبتها وعادت تبحث عن فرعونيتها.
  • عصر تلونت فيه الوجوه مثلما تلونت الشاشة، وانتقلت من الأبيض والأسود فقط إلى الألوان اللامتناهية.
  • عقد دخل فيه الطوب الأحمر للقرية، وتغيرت ملامحها للأبد.
  • عقد صعد فيه الصعاليك وانهزم فيه النبلاء.
  • عقد رحل فيه العمالقة وولد فيه الصغار.
  • عقد انتهى فيه الطرب وبدأ فيه الراب.
  • عقد شهد لأول مرة هجرة الفلاح المصري من أرضه إلى دول عربية أخرى.
  • عقد تراجع فيه التصنيع، وفُتحت الموانئ على مصراعيها للاستيراد.
  • عقد أصبحت فيه الكماليات أهم من الضروريات.
  • عقد بدأت فيه الطبقة المتوسطة التي بنتها الناصرية تتآكل.

في النهاية، هو عقد تحول المجتمع المصري فيه من الكلاسيكية الأنيقة إلى المسخ، وظل يبحث عن نفسه الضائعة وهويته المفقودة حتى يومنا هذا.

  • السبعينيات كان عقد الجنازات العظيمة، حيث ودعت القاهرة بالدموع أعظم الشخصيات. في بداية العقد رحل الزعيم جمال عبد الناصر (1970)، وانهارت معه فكرة القومية العربية والنظام الاشتراكي، بعده عبد الرزاق السنهوري، عملاق القانون المدني في العالم العربي وصانع تشريعاته البارزة (1971)، ثم عدد لا بأس به من الشرفاء الشهداء في حرب 73، وفي نفس العام خرج جثمان طه حسين، عميد الأدب العربي، من جامعة القاهرة، بعده رحل الموسيقار فريد الأطرش (1974)، ثم كوكب الشرق السيدة أم كلثوم (1975)، بعدها رحل العندليب عبد الحليم حافظ (1977)، وفي 1978 رحل الأديب يوسف السباعي، ومع نهاية العقد رحل شيخ الصحفيين فكري أباظة (1979). وقدم استقالته العديد من الشخصيات البارزة التي كانت تنسب للعصر الناصري، والتي اختلفت مع سياسات السادات الجديدة، رغم أن السادات نفسه كان رجلًا من رجال العصر الناصري، إلا أنه كان ممثلًا بارعًا، فأراد أن يخلق له شخصية مستقلة عنوانها «لن أعيش في جلباب عبد الناصر»، رغم تظاهره في البداية عكس ذلك.
  • من الناحية السياسية، تضاءل دور مصر إقليميًا بعد موت جمال عبد الناصر وخروج مصر من جامعة الدول العربية.
  • ومن الناحية الفنية، انهارت دولة الطرب المصرية وفقدت ريادتها عربيًا بعد أفول العصر الذهبي؛ ودع الفن المصري أقطاب «الزمن الجميل»؛ فرحل الموسيقار فريد الأطرش عام (1974)، وتبعه رحيل كوكب الشرق أم كلثوم عام (1975)، ثم العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ عام (1977)، وكلها كانت جنازات عظيمة ودعتها الجماهير العربية بالورود والدموع.
  • كما تأثر الأدب المصري بعد رحيل أهم أعمدته العقاد وطه حسين، كما اعتزل عدد كبير من المثقفين وأساتذة الجامعات، منهم من سافر لدول الخليج تحت إغراءات الرواتب الكبيرة، ومنهم من قدم استقالته للأبد.

عقد الجنائز الكبرى.

عقد ودعت فيه الجماهير جمال عبد الناصر فسقطت الاشتراكية والرمز والقومية، وودعت فيه طه حسين فسقط ركن مهم من الأدب المحافظ على تقاليد اللغة، وودعت فيه أم كلثوم وفريد وعبد الحليم فسقط الطرب بمفهومه الأصيل.

لا شك أن مصر «الاشتراكية» كانت أرقى ثقافيًا من مصر «الانفتاحية»، في النهاية يترك المقال أسئلة للجمهور ليفكر ويجيب عنها بنفسه:

هل نقول إن التحول في الثقافة المصرية بدأ مع سياسة الانفتاح؟ وكيف يؤثر تغير التوجه الاقتصادي في الثقافة؟

هل سبب موت شخص فجأة واستبداله بشخص آخر، رغم أنه من نفس جيله ومن نفس مدرسته العسكرية، أن يحدث هذا التعارض والاختلاف الكبير، وهل هناك علاقة بين ثقافة الحاكم وثقافة عصره؟ فبالرغم من أن السادات من أكثر الحكام المصريين ثقافة، إلا أن عصره شهد بداية الانحطاط الثقافي، فماذا يعني ذلك؟

عندما تخلت مصر عن اشتراكيتها، فقدت الكثير من شخصيتها الاجتماعية، وانعكس ذلك على ارتفاع معدلات التضخم وانهيار العملة والهجرة لدول النفط، وخروج المجتمع السلفي والإخواني بقوة في المجتمع «الثقافة الوهابية» بسبب سياسات السادات لكي يكسب فصيلًا سياسيًا جديدًا ليواجه به الناصريين، وفي النهاية الفكر الوهابي الذي أطلقه من السجون وسمح له بمزيد من الحريات هو من قتله!


#السبعينيات.. عقد التحولات الكبرى والجنائز العظمى محمد فؤاد البري رغم أن عقد السبعينيات شهد النصر العسكري #ومن حالة الحرب إلى حالة السلم. عقد تبدل فيه العدو مع الصديق. عقد تبرأت مصر من عروبتها وعادت تبحث عن فرعونيتها. عصر تلونت فيه الوجوه مثلما تلونت الشاشة #ومن قوانين العدالة الاجتماعية والتأميم إلى قوانين الانفتاح الاقتصادي والسمسرة

اخبار مرتبطة