علمت أن المرض قد اشتد عليها، وأن جسمها الضئيل قد صارع قدر المستطاع، وأصبح على مشارف الهزيمة. أدركت في ذلك الصباح أن لا وقت لأن أتردد أو أتخاذل، ولا قيمة لمشاعري التي سوف تتأذى حين تراها بهذا الضعف والوهن، ولا أهمية لما أشعر به من تعاطف وقلة حيلة إزاء ما تشعر به هي من غدر الدنيا التي لم تمهلها الوقت لأن ترتدي الثوب الأبيض.
وعند آخر الممر وجدت لافتة على يميني، كما وصف لي فرد الأمن، كتر خيره، الذي سمح لي ولكل العابرين بالدخول في وقت غير مخصص للزيارة.
“الرعاية المركزة”
وقفت على أعتاب الرعاية المركزة، والتي لم يكن بها شيء مركز ولا مكثف سوى حديث الممرضة في الموبايل، الذي أبهرني ثباته خلف الطرحة. وإن كان قد ظهر عليها الامتعاض قليلًا وهي تعتذر لصديقتها أن تنتظرها، حتى تضطر، منزعجة، أن تشوفني عاوزة إيه، وإيه اللي حدفني عليهم الساعة دي.
• جاية لمين يا حبيبتي؟
• أسماء.
أشارت لي إلى آخر سرير بالغرفة، يبدو نظريًا في موقع متميز، حيث يجاور نافذة كبيرة تتعالى من خلفها منافسة أداء صوتي لباعة جائلين أكثر تميزًا وبحةً من برامج المواهب الغنائية.
خطوت نحو السرير ببطء شديد، حيث كانت نظراتي المبعثرة بالغرفة تستقطبها الكثير من الأشياء، وبعض الأرواح المكتوبة حتى الآن في تعداد الأحياء…
وقفت أمام سرير لم أرَ عليه سوى جسد كبير منتفخ، يحيطه من كل ناحية كمٌّ من الخراطيم والأجهزة، وكمٌّ آخر من الذباب الذي غطى ما تبقى من وجه لم أعرفه، ولم أستطع أن أتبين ملامحه.
رجعت إلى الممرضة التي كانت تكمل بكل شغف حديثها عن مشكلة البنك الذي سرقها، من وجهة نظرها، أن البنك حرامي حين استقطع من حسابها الشخصي قيمة قسط القرض الذي انتهى أولًا عن آخر، ولم يستفد منه سوى العويل، ده وصفها، جوزها اللي قاعد في البيت.
وقبل أن أسمع منها ما يترجم ملامح وجهها الغاضبة من إزعاجي لها، بادرتها بالسؤال:
• أنا آسفة، لكن… دي مش أسماء.
• لا يا حبيبتي، هي دي أسماء، بس منفوخة من الأدوية حبتين.
لم تمهلني رفاهية السؤال للمرة الثانية، وتركتني لتكمل حديثها خارج الغرفة:”بقولك البنك خد المرتب كله، أدفع لك منين؟ أنا الجمعية.”
وأنا في طريق عودتي إلى سرير أسماء، لوَّح لي أحد المرضى بيده، مشيرًا إليأسماء. وكان، فيما بدا بحكم العِشرة والجيرة بينهما، على علم بحالتها. فنزع قناع الأكسجين عن فمه، وحاول، ببعض الهمهمات، أن يشرح لي ما لم يشرحه الطبيب، الذي لم أتشرف برؤيته، بل لا أتذكر أنني لمحت أي بالطو أبيض، ولو في الطرقات. وأفهمني الجار، المريض جدًا، وبما تيسر له من كلمات، أن حالة أسماء لم تعد تحتاج الآن، ” فقد فات الأوان ” سوى الدعاء.
وأردت ألا أغادر وضميري متعب. يا لها من حماقة و أنانية مفرطة, أترغب نفسي ألا ترحل بلا ألم، وهي على وشك أن تغادر مهبطًا من مهابط الألم؟
فرجعت مرة أخرى، وألقيت نظرة رجاء وأمل أخيرة إلى أسماء، على أجد ما ينجيني حين يأتي الليل وينتصر على الأرق.
علمت في تلك الليلة أن الأرق الذي يزورني كل ليلة، ويبحث عن أي ذكرى أو ذنب ينعش به ضميري المذعن له دائمًا، ما هو إلا مناكشة ليلية لطيفة وخفيفة الوطأة على جفني، الذي خاف أن يغمض فيرى صورة “أسماء”.
وبعد عدة سويعات جاءني الخبر… كما لو أن روح أسماء كانت تنتظرنى و تنتظر زيارتى و نظرتى العاجزة حتى تمسك بأخر طوق نجاة ألقيت به لها .. طاوعتنى أسماء و رحلت و طاوعنى قلبى حين قالها وتمنى من الله ان يأخذها الى حياة لا نخاف فيها ولا نتألم و لا نحزن .

