عاجل
الأحد. أبريل 12th, 2026

د. نجلاء حسنين تكتب :الجرائم في مصر بين الانتشار الرقمي والواقع الاجتماعي: أين تكمن المشكلة؟

admin2023admin2023 9, نوفمبر 2025 11:11:29

 

شهد المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الجرائم والحوادث البشعة – وخاصة تلك الغريبة عننا وعن أخلاقنا وقيمنا- من القتل والسرقة إلى العنف الأسري والخيانة والبلطجة.
فعندما ترى طفلاً صغيراً يستدرج زميلا له طفل أيضاً ويقتله ويقطع أعضاؤه بل ويأكل منها!!! و الزوج الذي يقتل زوجته وأبنائه ، و الرجل العجوز الذي يتلقى صفعة قوية بالقلم على وجهه أمام الجميع بسبب خلاف على الشقة!!! و أم تعذب أطفالها بطريقة بشعة!! وغيرها من حوادث بشعة وبعيدة كل البعد عن أخلاقنا وقيمنا……
والمفارقة اللافتة أن هذا التزايد يحدث في زمنٍ تنتشر فيه وسائل المراقبة الحديثة، سواء عبر كاميرات الشوارع أو هواتف المواطنين أو منصات التواصل الاجتماعي التي لا تفوّت حدثًا دون توثيقه.
فكيف يتزايد الإجرام في مجتمع بات «تحت الكاميرا» طول الوقت؟! وأين تكمن المشكلة الحقيقية؟
ما تلك الأسباب والدوافع الاجتماعية والنفسية؟
تشير دراسات أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر (2023) إلى أن ارتفاع معدلات الجريمة له أسباب مركّبة، تشمل:

1. الضغوط الاقتصادية والمعيشية
تفاقم البطالة وارتفاع الأسعار والفجوة بين طبقات المجتمع تولّد شعورًا بالحرمان النسبي، وتخلق نوعاً من الضغط العصبي والنفسي والاجتماعي على البعض.

2. التفكك الأسري وضعف التنشئة الأخلاقية، وغياب الرقابة الأبوية، وانشغال الأهل بمشاكل المعيشة، أدى إلى فقدان الانتماء وضعف منظومة القيم التي تحكم السلوك الاجتماعي.

3. انتشار المخدرات والإدمان؛ حيث أظهرت بعض تقارير وزارة الداخلية المصرية أن نسبة كبيرة من جرائم القتل والسرقة ارتُكبت تحت تأثير المخدرات أو بسببها.

4. الإحباط الاجتماعي وفقدان العدالة الاجتماعية،
الشعور بالتهميش والظلم يولّد طاقة سلبية قد تتحول إلى سلوك انتقامي ضد المجتمع.

و عندما نتحدث عن دور الإعلام والسوشيال ميديا في كشف الجريمة؛ فمما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًا في رصد الجرائم وكشف المجرمين، إذ أن كاميرات الهواتف وشبكات “فيسبوك” و”تيك توك” و غيرها؛ أصبحت أدوات إعلام في يد المواطن العادي تسهم في سرعة تداول المعلومات، ما يساعد أجهزة الأمن في تحديد هوية الجناة بسرعة، وجمع أدلة مصوّرة تسهّل التحقيقات. وتنشر الوعي بمخاطر تلك الممارسات الإجرامية.

وقد ذكر مسؤولون في وزارة الداخلية المصرية عبر وسائل الإعلام بأن الفيديوهات المتداولة عبر المنصات ساعدت في فك لغز عشرات القضايا خلال ساعات.
لكن… لماذا لم يقلّ معدل الجريمة؟

رغم هذا الدور الرقابي والتوثيقي الكبير، لم تشهد مصر انخفاضًا حقيقيًا في معدلات الجريمة. فالمجتمع يرى الجريمة أكثر، لكنه لا يرتدع أكثر!!!

السبب في ذلك أن الكاميرات والسوشيال ميديا هي مجرد تظهر و تصور «النتيجة»، لكنها لا تصلح «السبب». فهي تُظهر الفعل، لكنها لا تُصلح البيئة و الأسباب التي أنتجته.
كما أن تكرار عرض الجرائم بصور صادمة أحيانًا يؤدي إلى:

١. اعتياد الناس على العنف، مما يُفقد الحدث تأثيره الأخلاقي.

٢. التقليد الإجرامي، خاصة لدى الشباب الباحث عن شهرة أو انتقام أو ” تريند”.

٣. إحساس زائف بالأمان، لأن البعض يظن أن المجرم يُقبض عليه دائمًا، بينما لا يحدث ذلك في كل الحالات للأسف.

كما أن الإعلام بجميع وسائله وأدواته التقليدية والحديثة؛ أحيانًا يساهم في تضخيم القصص الجنائية بهدف جذب المشاهدات، مما يخلق مناخًا من الخوف أو الفضول المرضي بدل التوعية.
أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

المشكلة الجوهرية ليست في غياب المراقبة، بل في غياب الرادع القيمي والثقافي.
فالمجتمع الذي يفقد منظومة قيمه الأساسية، ويتراجع فيه دور التعليم والثقافة والإعلام البنّاء، سيظل يُنتج الجريمة حتى تحت ألف كاميرا.

الحل لا يكون فقط بزيادة العقوبة أو سرعة القبض، بل يجب أن يتم العلاج في عدة أمور بشكل متوازي جنبا إلى جنب، وهي:

١. إصلاح التعليم والتنشئة الأسرية لترسيخ القيم الأخلاقية.

٢. إعلام توعوي رشيد يُبرز نماذج إيجابية بدل تمجيد البلطجة.

٣. برامج دعم نفسي واجتماعي للشباب والعاطلين والمهمّشين.
٤. إجراء المزيد من الدراسات الاجتماعية الميدانية لمعرفة دوافع الجريمة والأسباب من جذورها.

لقد نجحت وسائل الإعلام والسوشيال ميديا في تحويل المجتمع إلى «عين تراقب» لكنها لم تنجح في أن تكون «ضميرًا يردع».
فالمعركة الحقيقية ضد الجريمة لا تُحسم بالكاميرات، بل بالوعي، وباستعادة منظومة القيم والعدالة والأخلاق التي تحمي المجتمع من داخله، لا مجرد أن تصوره من الخارج.

………

د نجلاء حسنين مدرس الإعلام بكلية البنات جامعة عين شمس


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #العالم الآن #العالم الآن alalamalan #العالم الآن الإخبارى alalamalan #د نجلاء حسنين مدرس الإعلام بكلية البنات جامعة عين شمس

اخبار مرتبطة