في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، لم تعد الأزمات تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الخدمية فقط، بل امتدت إلى عمق البنية الاجتماعية، لتصيب أهم ركائزها على الإطلاق الأسرة. ومع تصاعد مؤشرات القلق من تفكك العلاقات الأسرية، لم يعد الحديث عن استقرار الأسرة المصرية رفاهية بل أصبح ضرورة ملحة تفرض نفسها على الجميع.
لم تعد الأسرة المصرية كما كانت في الماضي رمزًا للترابط والاستقرار، بل أصبحت تواجه تحديات حقيقية تهدد تماسكها. فمع تزايد معدلات الطلاق، وانتشار التفكك الأسري وظهور وقائع صادمة مثل انتحار بعض الزوجات، أصبح من الضروري أن نتوقف ونسأل كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ جاءت واقعة انتحار سيدة في الإسكندرية لتدق ناقوس الخطر، وتثير حالة من الحزن والقلق، وتفتح بابًا واسعًا للتساؤل: كيف تصل امرأة إلى هذه الدرجة من اليأس داخل بيتها؟
الحقيقة أن ما يحدث ليس أمرا مفاجئا، بل نتيجة تراكمات طويلة. فالضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة أصبحت سببا رئيسيا في الخلافات بين الأزواج، حيث تتحول الحياة اليومية إلى عبء ثقيل، مما يزيد من التوتر داخل الأسرة.
كما أن غياب الوعي بأسس الحياة الزوجية السليمة يلعب دورًا كبيرًا. فكثير من الأزواج يدخلون الزواج دون استعداد كاف، ودون مهارات حقيقية للحوار والتفاهم، فيتحول الخلاف البسيط إلى أزمة قد تنتهي بالانفصال.
ولا يمكن تجاهل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي رسمت صورة مثالية غير واقعية للحياة، وجعلت البعض يعيش في دائرة من المقارنة المستمرة، مما يخلق شعورًا دائما بعدم الرضا.
كذلك، تراجع دور الأسرة الكبيرة التي كانت تمثل مصدر دعم ونصيحة، فأصبح الزوجان يواجهان مشكلاتهما وحدهما، مما يزيد من احتمالات اتخاذ قبابات متسرعة
أما الجانب الأخطر، فهو الضغوط النفسية التي تتعرض لها بعض الزوجات دون وجود دعم حقيقي، سواء من الزوج أو من المجتمع، وهو ما قد يدفع البعض إلى قرارات مأساوية في ظل شعور بالوحدة وفقدان الأمل.
إن إنقاذ الأسرة المصرية مسؤولية مشتركة يبدأ ذلك من التوعية قبل الزواج، وتعليم مهارات الحوار، وتقديم دعم نفسي واجتماعي للأسر، إلى جانب دور الإعلام في نشر ثقافة التفاهم بدلا من تضخيم المشكلات.
كما نحتاج إلى العودة لقيم الرحمة والمودة التي قامت عليها الأسرة، فقد قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لَّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) وقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). فالعلاقة الزوجية ليست ساحة صراع، بل شراكة قائمة على الاحتواء والتفاهم. وفي النهاية، تظل الأسرة هي أساس المجتمع، وإذا ضعفت، تأثر المجتمع كله. لذلك، فإن حماية الأسرة المصرية لم تعد رفاهية، بل ضرورة حتمية لحماية مستقبلنا جميعًا.

