كيف تحولت الحرب الأمريكية – الإيرانية إلى مفاوضات بالقوة؟ ولماذا بقيت مصر خارج
دائرة الاستدراج؟
منذ اندلاع المواجهة ، لم تعد الحرب مجرد تبادل للصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أصبحت صراعاً متعدد المستويات، عسكرياً، واستخباراتياً، وسياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً.
المشهد اليوم يكشف حقيقة بالغة الأهمية: المفاوضات لم تتوقف رغم الحرب، والحرب نفسها أصبحت إحدى أدوات التفاوض. فكل ضربة عسكرية تحمل رسالة سياسية، وكل اجتماع دبلوماسي يجرى تحت غطاء أصوات المدافع، حتى أصبح الشرق الأوسط يعيش مرحلة يمكن وصفها بـ “التفاوض تحت إطلاق النار”.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل ما نشهده حرب هدفها الحسم العسكرى، أم أنها حرب لإعادة رسم شروط التفاوض وفرض خرائط نفوذ جديدة؟
قد تبدو الولايات المتحدة وإيران طرفى الصراع، إلا أن فاتورة الحرب لا تسدد داخل واشنطن أو طهران وحدهما. فالأسواق العالمية تدفع الثمن، وأسعار الطاقة تدفع الثمن، وسلاسل الإمداد تدفع الثمن، ودول المنطقة تتحمل الجزء الأكبر من المخاطر الأمنية والاقتصادية.
فكلما ارتفع مستوى التصعيد، ارتفعت معه تكلفة التأمين البحرى، واهتزت حركة التجارة العالمية، وأصبحت الممرات البحرية رهينة للحسابات العسكرية. ولهذا لم تعد الحرب تخص دولتين فقط، بل أصبحت أزمة تمس الاقتصاد العالمى بأكمله.
منذ سنوات، اعتمدت طهران على بناء شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة فى عدة ساحات إقليمية، لتوسيع نفوذها وتقليل احتمالات المواجهة المباشرة. وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية، فإن هذه الشبكات أصبحت أحد أهم أدوات الضغط الإيرانية فى المنطقة، سواء فى العراق أو لبنان أو اليمن أو غيرها، وهو ما يجعل أى تصعيد أمريكى أو إسرائيلى قابلاً للامتداد إلى أكثر من جبهة فى توقيت واحد.
أصبح حادث ميناء دمياط أحد أكثر الملفات غموضاً خلال الأيام الأخيرة. فحتى الآن لم تعلن جهة مسؤوليّتها بصورة موثقة، بينما تبادلت أطراف الصراع الاتهامات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وظهرت تحليلات تتحدث عن احتمالات متعددة، دون حسم نهائى للمسؤولية. ومهما تعددت الروايات، فإن التعامل مع مثل هذه الأحداث يجب أن يستند إلى نتائج التحقيقات والأدلة الموثقة، بعيداً عن التوظيف السياسى أو الإعلامى.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: لماذا يحاول الجميع ربط مصر بالأزمة؟ الإجابة تكمن فى أن مصر ليست دولة هامشية فى هذه الحرب. فهى تتحكم فى أحد أهم شرايين التجارة العالمية عبر قناة السويس، وتمثل عنصر استقرار رئيسياً فى معادلات الشرق الأوسط. وأى محاولة لإظهارها كطرف فى الصراع قد تحقق مكاسب سياسية أو إعلامية لبعض الأطراف، أو تؤدى إلى توسيع دائرة الأزمة.
إلا أن القاهرة تعاملت مع الموقف بهدوء، مع الحفاظ على الإجراءات الأمنية، ورفض الانجرار إلى الاتهامات المتبادلة قبل اكتمال الحقائق. وهى سياسة تعكس خبرة الدولة المصرية فى إدارة
الأزمات المعقدة. ليست قوة مصر نابعة فقط من قدراتها العسكرية أو الدبلوماسية، وإنما أيضاً من موقعها الجغرافى الذى يجعل استقرارها مصلحة دولية، ومن خبرتها التاريخية فى إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى الاستقطاب.
التصعيد الأخير أعاد الحديث عن القواعد الأمريكية فى الخليج. الكويت، قطر، البحرين، السعودية. فهذه القواعد تمثل مراكز القيادة والدعم واللوجستيات والإنذار المبكر، ولذلك تعد أهدافاً محتملة لأى تصعيد عسكرى، سواء بصورة مباشرة أو عبر جماعات مرتبطة بإيران، بما يهدف إلى رفع تكلفة الوجود الأمريكى فى المنطقة.
أما الأردن، فيمثل نقطة ارتكاز جغرافية بين العراق وسوريا وفلسطين وإسرائيل. كما يشكل حلقة وصل أمنية ولوجستية مهمة لحلفاء الولايات المتحدة. ومن ثم فإن أى توتر يمتد إلى الأراضى الأردنية ينعكس فوراً على مجمل التوازنات الإقليمية.
ترددت خلال الأيام الماضية تقارير عن صفقات أو أشكال دعم صينى وروسى لإيران. لكن حتى الآن لا توجد أدلة رسمية تؤكد انتقال موسكو أو بكين إلى مرحلة الانخراط العسكرى المباشر فى الحرب. الأرجح أن الدولتين تنظران إلى الأزمة باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمى، مع الحرص على تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. فالدعم السياسى أو الاقتصادى أو التقنى يختلف جذرياً عن الدخول فى حرب مفتوحة.
فى المقابل، تتحدث تقارير متعددة عن جهود وساطة إقليمية، شاركت فيها دول خليجية إلى جانب أطراف أخرى، بهدف إعادة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض ومنع اتساع الحرب، بينما أشارت تقارير حديثة أيضاً إلى استمرار قنوات الوساطة مع تقدم فى بعض الملفات، رغم استمرار
التصعيد الميدانى.
وسط هذا المشهد المضطرب، تبدو الدولة المصرية مختلفة. فالقاهرة لم تنجر إلى الاستقطاب. ولم تدخل فى سياسة المحاور. ولم تسمح بتحويل أراضيها إلى منصة للصراع. بل حافظت على ثوابت واضحة تقوم على حماية الأمن القومى، وصون السيادة، وتأمين الممرات البحرية، ودعم الحلول السياسية، مع التشديد على أن استقرار المنطقة يبدأ باحترام سيادة الدول وحرية الملاحة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. وهذا ما منح مصر مصداقية لدى مختلف الأطراف، وجعل العالم يتابع موقفها باهتمام بالغ.
لا يمكن قراءة المشهد بعيداً عن الداخل الأمريكى. فالكونجرس، والرأى العام، والضغوط الاقتصادية، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، جميعها عوامل تؤثر فى مساحة القرار السياسى والعسكرى. ولهذا تبدو الإدارة الأمريكية مطالبة بتحقيق معادلة شديدة الصعوبة: إظهار القوة دون الانزلاق إلى
حرب طويلة.
يظل هذا السؤال حاضراً فى معظم التحليلات. هل تتوارى إسرائيل خلف واشنطن؟ فالتحالف الأمريكى – الإسرائيلى ثابت، لكن لكل طرف أيضاً حساباته الخاصة. وفى بعض الملفات تتقاطع المصالح، وفى ملفات أخرى تختلف أولويات إدارة التصعيد أو التهدئة، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً من اختزاله فى موقف واحد.

يبقى الملف اللبنانى مرتبطاً بدرجة كبيرة بمستقبل المواجهة مع إيران، بينما تظل القضية الفلسطينية العامل الأكثر تأثيراً فى تشكيل المزاج السياسى والأمنى فى المنطقة. ورغم التحركات الدبلوماسية، لا تزال غزة ولبنان ضمن الملفات التى تعرقل الوصول إلى تسوية إقليمية شاملة.
ويبقى السؤال الأهم: من الرابح الحقيقى من هذه الحرب؟
إيران أثبتت قدرتها على إطالة أمد الصراع، الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على الردع دون الانزلق إلى حرب شاملة، إسرائيل تسعى لإضعاف خصومها الإقليميين، أما روسيا والصين فتستفيدان من انشغال واشنطن بإدارة الأزمة، ويبقى الخاسر الأكبر هو اقتصاد المنطقة وشعوبها.
وفى النهاية: الحرب الدائرة اليوم ليست حرباً تقليدية بين دولتين، بل صراع على إعادة رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط. ولهذا فإن الصواريخ وحدها لن تحسم المعركة. ولا المفاوضات وحدها ستصنع السلام. فالطرف الذى يستطيع إدارة الحرب والتفاوض فى الوقت نفسه، هو الأقرب إلى تحقيق أهدافه.
أما مصر، فقد اختارت طريقاً مختلفاً، طريق الدولة التى تدير الأزمات بالحكمة، وتحافظ على أمنها القومى، وترفض الانجرار إلى الاستفزاز، وتؤمن بأن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل أيضاً بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح فى التوقيت الصحيح.
وفى عالم تتغير فيه التحالفات أسرع من تغير خطوط النار، لن تنتصر بالضرورة الدولة التى تمتلك أكبر ترسانة، بل الدولة التى تمتلك أوضح رؤية، وأهدأ قرار، وأقدر قدرة على الموازنة بين القوة والحكمة.

