قد تستيقظ ذات صباح فتكتشف أن أشياء كثيرة في مجتمعك لم تعد كما كانت… طريقة الكلام تغيرت، معايير النجاح تغيرت، ما يراه الناس مقبولاً أو مرفوضاً تغير، وحتى بعض المفاهيم التي كانت ثابتة في الوعي الجمعي أصبحت محل نقاش. لكن الأخطر أن هذا التغيير لم يحدث بقرار معلن، ولم يصدر به قانون، ولم ترفع من أجله راية حرب… لقد حدث بهدوء، عبر الشاشة.
فكرة ظهرت في محتوى قصير، ثم تكررت في مسلسل، ثم أصبحت حديث مؤثر، ثم تحولت إلى سلوك شائع، حتى بدأ المجتمع يتعامل معها باعتبارها أمراً طبيعياً. وهنا يظهر السؤال: هل تتغير المجتمعات فقط لأنها تريد أن تتغير، أم أن هناك من يمتلك القدرة على توجيه مسار هذا التغيير؟
في عالم أصبحت فيه الخوارزميات تعرف ما نحب وما نشاهده وما نتوقف عنده، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج محتوى هائل وموجه، لم يعد التأثير في المجتمعات يحتاج بالضرورة إلى قوة عسكرية أو احتلال أرض. أحياناً يكفي أن تملك القدرة على التأثير في الوعي.
المجتمعات بطبيعتها تتغير بفعل العلم والتكنولوجيا والاقتصاد وتفاعل الثقافات واختلاف الأجيال، ولذلك فالتغيير في حد ذاته ليس خطراً. لكن الفارق بين التغيير الطبيعي والتغيير الموجه يكمن في أن الأخير يعمل على تشكيل البيئة التي تتكون داخلها الأفكار والقيم والسلوكيات.
فليس من الضروري أن يقال للإنسان: «فكر بهذه الطريقة»، بل قد يكفي أن يرى الفكرة نفسها عشرات ومئات المرات، حتى تصبح مألوفة، ثم مقبولة، وربما طبيعية. وهذه إحدى أخطر خصائص التغيير الناعم: أنه لا يأتي دائماً في صورة أمر، بل في صورة اختيار.
في الماضي كان التأثير الجماهيري يمر عبر الصحافة والإذاعة والتليفزيون والسينما، أما اليوم فقد تغيرت القاعدة، لم يعد الجمهور ينتظر الرسالة، بل أصبحت الرسالة تبحث عن الجمهور. الخوارزمية تعرف ما تتفاعل معه، ثم تقدم لك المزيد منه، فتتكون دائرة مغلقة: اهتمام، محتوى، تفاعل، خوارزمية، محتوى أكثر تخصصاً، ثم اهتمام أكبر.
ومع الوقت قد يجد الإنسان نفسه داخل «فقاعة وعي» لا يرى فيها إلا الأفكار التي تتوافق مع تصوراته، فيصبح أكثر تعرضًا لما يؤكد قناعاته وأقل احتكاكًا بما يختلف معها.
ولم يعد التأثير حكراً على المؤسسات الإعلامية. اليوم يمكن لشخص واحد أن يصبح منصة إعلامية متكاملة. المؤثر قد يغير مفهوم النجاح، وأنماط الاستهلاك، وطريقة التفكير، وحتى بعض المواقف تجاه القضايا العامة. والأكثر نعومة أن الرسالة لا تأتي دائمًا في صورة إعلان، بل قد تأتي في صورة تجربة شخصية أو نصيحة أو محتوى ترفيهي، فتصل إلى الوعي دون أن يشعر المتلقي أنه أمام رسالة مؤثرة.
كما تحول الانتباه نفسه إلى قيمة اقتصادية وثقافية. ثوانٍ قليلة قد تصنع رأياً، وفيديو قصير قد يقدم حكماً على قضية معقدة. ومع الاعتياد على السرعة، قد لا يتغير المحتوى فقط، بل تتغير طريقة استقبال المعرفة نفسها، فالتحليل يحتاج إلى وقت، والتفكير يحتاج إلى صبر، والحقيقة المعقدة لا تختصر دائماً في ثوانٍ.
ثم تأتي الألعاب والعوالم الافتراضية لتضيف مستوى آخر من التأثير، ففي الفيلم يشاهد الإنسان القصة، أما في اللعبة فهو يشارك فيها، ويتخذ القرار، ويخوض التجربة، ويتعلم قواعد العالم الافتراضي من داخله. ومع تطور الواقع الافتراضي والممتد، تصبح الحدود بين المحتوى والتجربة أكثر تداخلاً.
وهنا يصل بنا المشهد إلى الذكاء الاصطناعي، الذي قد يكون إحدى أهم أدوات التأثير في المستقبل. فلم يعد إنتاج خطاب جماهيري مؤثر يحتاج إلى مؤسسات ضخمة، بل أصبح بالإمكان إنتاج كميات هائلة من المحتوى، وتخصيصه وفقاً للفئة والجمهور والسياق. لم يعد السؤال فقط: كيف نؤثر في مليون شخص برسالة واحدة؟ بل: كيف نقدم لكل فئة، وربما لكل فرد، الرسالة الأكثر ملامة لسلوكه واهتماماته؟
ومن هنا يأتي السؤال: من المستفيد؟ قد تستفيد شركات التكنولوجيا من زيادة وقت الاستخدام، وصناعة الترفيه من انتشار أنماط ثقافية معينة، وقد تستخدم بعض الدول الثقافة والإعلام والفنون لتعزيز حضورها، كما قد تستفيد جماعات المصالح والتيارات المختلفة من تغيير اتجاهات الرأي العام.

لكن من المهم ألا نخلط بين التأثير والتآمر، ليس كل تأثير ثقافي خارجي مشروعاً للسيطرة، وليس كل انفتاح فقداناً للهوية. المشكلة تبدأ عندما يصبح مجتمع ما مستهلكاً للثقافة أكثر من قدرته على إنتاجها، وعندما يفقد الإنسان قدرته على الاختيار والمقارنة والتحقق ومعرفة لماذا يصدق فكرة معينة. أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يسمع فكرة مختلفة، بل أن يفقد القدرة على تقييمها.
أما الهوية، فهي لا تختفي فجأة، وإنما قد تتآكل تدريجياً؛ تبدأ باللغة، ثم الذاكرة، ثم التاريخ، ثم الفنون والرموز والعادات، حتى تتغير الصورة التي يرى بها الإنسان نفسه ومجتمعه. ولذلك فالقضية ليست أن يعرف أبناؤنا العالم، بل أن يعرفوا العالم دون أن ينسوا أنفسهم.
والحل ليس إغلاق الأبواب أو بناء الجدران الثقافية، لأن العالم أصبح مفتوحاً، ولا يمكن لدولة أن تعزل أبناءها عن التكنولوجيا والثقافات المختلفة. الحل هو بناء الإنسان القادر على الاختيار، من خلال تعليم يرسخ التفكير النقدي، وإعلام قادر على المنافسة، وصناعة ثقافية وإبداعية تقدم التاريخ والتراث واللغة والفنون بأدوات العصر.
فلا يمكن أن نقول للشباب: «تمسكوا بماضيكم»، ثم نقدم لهم هذا الماضي بلغة لا يفهمونها وأدوات لا تجذبهم. علينا أن نجعل التاريخ مثيراً للاكتشاف، والتراث قابلاً للتجربة، والثقافة قادرة على المنافسة.
وهنا يأتي الدور الأهم للشباب. فالشاب الذي يمتلك العلم والمهارة والفرصة ومساحة للإبداع، يمكن أن يتحول من هدف للتأثير إلى صانع للتأثير.
وإذا كان العالم قادراً على استقطاب عقول الشباب، فلماذا لا نستقطب هذه العقول نحو البناء؟ إذا كانت المنصات قادرة على جذب ملايين المستخدمين، فلماذا لا نستخدم الأدوات نفسها لجذبهم إلى العلم والابتكار والقراءة والفن والرياضة وريادة الأعمال وخدمة المجتمع؟
إذا كان الآخرون قادرين على صناعة المؤثرين، فعلينا أن نبني بيئة تنتج مؤثرين إيجابيين. وإذا كان العالم ينتج محتوى يصل إلى ملايين الشباب، فعلينا أن ننتج محتوى يستطيع الوصول إليهم بالسرعة والجاذبية نفسيهما. فالمنافسة الثقافية لا تحسم بالمنع… بل تحسم بالإبداع.
ومصر تمتلك عناصر قوة ثقافية هائلة، تاريخاً ممتداً، وحضارة عالمية، ولغة، وسينما، وموسيقى، وفنوناً، وأدباً، وتراثاً، وشخصية ثقافية متفردة. لكن السؤال ليس ماذا نملك، وإنما كيف نحول ما نملكه إلى قوة ثقافية معاصرة تصل إلى العالم؟
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون جزءاً من المشكلة أو جزءاً من الحل. يمكن استخدامه في التضليل والمحتوى المصطنع والتأثير شديد التخصيص، لكنه يستطيع أيضاً أن يساعد في رقمنة التراث، وتعليم اللغة، وإحياء الحكايات الشعبية، وتحويل التاريخ إلى تجارب تفاعلية، وإنتاج الألعاب التعليمية، وترجمة المحتوى العربي إلى لغات العالم.
إذن، التكنولوجيا ليست المشكلة. السؤال هو: من يمتلكها؟ وكيف يستخدمها؟ ولأي هدف؟ إن المجتمعات ستتغير، والثقافات ستتفاعل، والتكنولوجيا ستتطور، لكن ما يمكن أن نقرره هو: هل نكون متلقين للتغيير أم شركاء في صناعته؟
ليس المطلوب أن نغلق النوافذ أمام العالم، بل أن نفتحها ونحن نعرف من نحن. وليس المطلوب أن نخاف من الأفكار الجديدة، بل أن نمتلك القدرة على تقييمها. وليس المطلوب أن نحارب التكنولوجيا، بل أن نستخدمها، وأن نحول الشباب من متلقين للتأثير إلى منتجين له.
فالمعادلة الجديدة ليست في العزلة، وإنما في بناء مجتمع يمتلك الوعي والتعليم والهوية والإبداع والتكنولوجيا والشباب.
وفي النهاية، فإن الخطر الحقيقي ليس أن يتغير المجتمع، فالمجتمعات التي لا تتغير تموت، والثقافات التي لا تتفاعل تتراجع. الخطر هو أن يتغير المجتمع دون أن يعرف إلى أين يتجه، وأن يعتقد أنه يختار بينما يتم اختيار البيئة التي تشكل خياراته.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول ليس منع التغيير، وإنما جعله اختياراً واعياً، وتحويل الانفتاح إلى تفاعل لا إلى ذوبان، والتكنولوجيا إلى أداة لا إلى قائد، والذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لتحرير العقل لا لإدارته.
فالمعركة القادمة لن تكون فقط على الأرض، ولا في السماء، ولا في الفضاء السيبراني. إنها ستكون على الإنسان نفسه: كيف يفكر، ماذا يصدق، ماذا يحب، وما المستقبل الذي يريد أن يصنعه.
ومن ينجح في صناعة وعي الإنسان…لا يحتاج دائماً إلى السيطرة على المكان.

