عاجل
السبت. يوليو 11th, 2026

د. طارق هلال يكتب :الاقتصاد الإبداعي… كيف تتحول الثقافة إلى ثروة وطنية؟

admin2023admin2023 10, يوليو 2026 21:07:19

حين يصبح الإبداع صناعة… تصبح الثقافة استثماراً لا إنفاقاً
كان ينظر إلى الثقافة لعقود طويلة باعتبارها نشاطاً فكرياً أو ترفاً اجتماعياً، تخصص له الموازنات حين تسمح الظروف الاقتصادية، ويؤجل حين تضيق الموارد. لكن العالم تغير، وأصبحت الدول الأكثر تقدماًّ تنظر إلى الثقافة باعتبارها صناعة اقتصادية كبرى، قادرة على خلق الوظائف، وجذب الاستثمارات، وتعزيز القوة الناعمة، وتحقيق مليارات الدولارات سنوياً.
واليوم، لم يعد السؤال: هل ننفق على الثقافة؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف نجعل الثقافة تنفق على الاقتصاد؟

الاقتصاد الإبداعي… لغة القرن الحادي والعشرين
ظهر مفهوم الاقتصاد الإبداعي ليعبر عن الأنشطة التي تعتمد على المعرفة والابتكار والموهبة البشرية في إنتاج قيمة اقتصادية، ويشمل هذا الاقتصاد: السينما والدراما، الموسيقى، النشر والترجمة، الفنون التشكيلية، التصميم، العمارة، الألعاب الإلكترونية، صناعة المحتوى الرقمي، الأزياء، الحرف التراثية، المتاحف والمواقع الأثرية، المهرجانات والفعاليات الثقافية. أي أن الفكرة المبدعة أصبحت أصلاً اقتصادياً، تماماً كما كانت الأرض أو المصنع في الاقتصاد التقليدي.

الثقافة… قطاع اقتصادي قبل أن تكون رسالة حضارية
تشير التجارب الدولية إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت من أسرع القطاعات نمواً في العالم. فهي توفر ملايين فرص العمل، خاصة للشباب، وتسهم بنسب مؤثرة في الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول، كما أنها تجذب الاستثمارات والسياحة، وتدعم صادرات الخدمات والمنتجات الثقافية. ولهذا لم تعد وزارات الثقافة تعمل بمعزل عن وزارات الاقتصاد والاستثمار والسياحة، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في خطط التنمية الوطنية.

الإرث الحضاري… كنز ينتظر تعظيم قيمته
إذا كان الاقتصاد الإبداعي يقوم على تحويل الهوية والثقافة إلى قيمة اقتصادية، فإن مصر تمتلك من المقومات ما يجعلها في موقع استثنائي. فهي لا تبدأ من الصفر، ولا تسعى إلى صناعة هوية جديدة، بل تستند إلى حضارة عريقة، وتراث إنساني متنوع، وإرث فني وأدبي وثقافي صنع مكانتها عبر آلاف السنين. فمن الحضارة المصرية القديمة، إلى التراث القبطي والإسلامي، مروراً بالفنون الشعبية، والسينما، والموسيقى، والأدب، والحرف التقليدية، وصولاً إلى الطاقات الإبداعية لشباب اليوم في مجالات التصميم وصناعة المحتوى والتكنولوجيا، تمتلك مصر رصيداً حضارياً وإنسانياً يصعب تكراره. لكن القيمة الحقيقية لهذه الثروة لا تكمن في وجودها فحسب، بل في القدرة على إدارتها وتطويرها وتسويقها وفق رؤية حديثة، تحولها من أصول ثقافية إلى أصول اقتصادية، ومن عناصر للهوية الوطنية إلى محركات للنمو والتنمية وفرص العمل.
فالثروة الثقافية لا تقاس بما نملكه من آثار وتراث فقط، بل بما نستطيع أن نصنعه بها من قيمة مضافة للأجيال القادمة.

من توظيف التراث… إلى صناعة التجربة الثقافية
لم يعد العائد الاقتصادي من التراث الثقافي يعتمد على زيارة المواقع الأثرية وحدها، بل على تقديم تجربة ثقافية متكاملة تجعل الزائر يعيش روح المكان، ويتفاعل مع تاريخه وهويته. فالسائح اليوم لا يكتفي بمشاهدة الأثر، بل يبحث عن تجربة تجمع بين الفنون، والموسيقى، والحرف التراثية، والمأكولات المحلية، والعروض الثقافية، والمنتجات الإبداعية التي تعكس هوية المجتمع. وعندما تدار المواقع التراثية بهذا المفهوم، فإنها تصبح محركًا للتنمية المحلية، يخلق فرص عمل، ويدعم المشروعات الصغيرة، ويعزز دخل المجتمعات المحيطة، مع الحفاظ الكامل على قيمة الآثار وصونها للأجيال القادمة.

الذكاء الاصطناعي… فرصة لا تهديد
يظن البعض أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الإبداع، لكن الواقع يشير إلى العكس. فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة تساعد الفنان، والكاتب، والمصمم، وصانع الأفلام، والناشر، على إنتاج أعمال أكثر جودة، والوصول إلى أسواق عالمية بتكاليف أقل. ومن ينجح في دمج التكنولوجيا بالإبداع سيكون الأكثر قدرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.

الشباب… الوقود الحقيقي للاقتصاد الإبداعي
أغلب نجوم المحتوى الرقمي، والتصميم، والألعاب الإلكترونية، والرسوم المتحركة، وصناعة التطبيقات، هم من الشباب. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمباني، بل يبدأ باكتشاف المواهب، وتدريبها، وربطها بسوق العمل، وتوفير بيئة تسمح لها بالابتكار. فكل فكرة ناجحة قد تتحول إلى شركة. وكل موهبة قد تصبح صناعة.

وفى النهاية… ثروة لا تنضب
في الماضي كانت الأمم تتنافس على امتلاك الذهب، ثم تنافست على النفط، ثم على التكنولوجيا. أما اليوم، فإن المنافسة الحقيقية أصبحت على امتلاك الفكرة. ومصر التي أهدت الإنسانية أول حضارة مكتوبة، قادرة أيضاً على أن تقدم للعالم نموذجاً جديداً يجعل من الثقافة صناعة، ومن الإبداع اقتصاداً، ومن الهوية الوطنية مصدراً دائماً للقوة والثروة.

فالأمم التي تعرف قيمة ثقافتها، لا تكتفي بحفظ التاريخ، بل تحوله إلى مستقبل، وتحوّل الإبداع إلى ثروة لا تنضب.


#بل تحوله إلى مستقبل #د. طارق هلال يكتب :الاقتصاد الإبداعي… كيف تتحول الثقافة إلى ثروة وطنية؟ #فالأمم التي تعرف قيمة ثقافتها #لا تكتفي بحفظ التاريخ #وتحوّل الإبداع إلى ثروة لا تنضب.

اخبار مرتبطة