لا يمثل النفط مجرد سلعة تُباع وتُشترى في الأسواق العالمية، بل يعد شريانًا رئيسيًا للاقتصاد الليبي ومصدرًا أساسيًا لتمويل احتياجات الدولة وتوفير مقومات التنمية، فضلًا عن كونه ثروة وطنية ينبغي الحفاظ عليها باعتبارها حقًا للأجيال الحالية والقادمة.
لكن عندما تتعرض هذه الثروة لعمليات تهريب أو استغلال غير مشروع، وتتراجع فاعلية الرقابة والمحاسبة، فإن الأمر يتجاوز حدود الخسائر الاقتصادية المباشرة، ليصبح تحديًا حقيقيًا أمام مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية المال العام وترسيخ سيادة القانون.
إن الحديث عن تهريب النفط والمنتجات النفطية في ليبيا يثير تساؤلات مهمة بشأن آليات الرقابة على هذه الثروة، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على التصدي للمخالفات وملاحقة المتورطين فيها، وضمان عدم إفلات أي شخص تثبت مسؤوليته عن إهدار المال العام من المساءلة القانونية.
تهريب النفط.. نزيف يهدد الاقتصاد الوطني
لا تقتصر خطورة تهريب النفط على فقدان كميات من الإنتاج أو الإيرادات، بل تمتد إلى تداعيات اقتصادية ومؤسسية أوسع، يمكن رصد أبرزها في عدة جوانب منها : الخسائر المالية حيث تمثل عمليات التهريب والاستغلال غير المشروع للموارد النفطية استنزافًا لإيرادات كان من الممكن توجيهها إلى مشروعات البنية التحتية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.. وثانيًا التأثير على الاقتصاد الوطني حيث يؤدي إهدار الموارد النفطية إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة مواردها المالية، ويزيد من صعوبة تنفيذ خطط التنمية والوفاء بالالتزامات العامة، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على عائدات النفط.
وثالثًا تحديات الرقابة والمساءلة حيث تبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرقابية والأمنية والقضائية، وتطوير آليات متابعة عمليات الإنتاج والنقل والتصدير والتوزيع، بما يحد من فرص التلاعب أو استغلال النفوذ.
الإفلات من العقاب.. تهديد لثقة المواطن في مؤسسات الدولة
لا تتوقف تداعيات الفساد والتهريب عند حدود الخسائر المالية، وإنما تمتد إلى التأثير في ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، خاصة عندما تتأخر إجراءات التحقيق والمحاسبة في القضايا المرتبطة بالمال العام.
فشعور المواطن بأن هناك تفاوتًا في تطبيق القانون، أو أن بعض المتورطين في مخالفات مالية قد يتمكنون من الإفلات من المساءلة، يضعف الثقة في منظومة العدالة، ويعزز الإحساس بعدم المساواة أمام القانون.
ومن هنا، فإن مكافحة الفساد لا تتحقق فقط من خلال ضبط المخالفات، وإنما تتطلب أيضًا سرعة التحقيق، وشفافية الإجراءات، وإعلان نتائج القضايا وفقًا للقانون، بما يؤكد أن حماية المال العام مسؤولية لا تستثني أحدًا.
أين المساءلة عن إدارة الثروة النفطية؟
يظل السؤال الأهم متعلقًا بمدى فاعلية دور الجهات الرقابية والقضائية في متابعة إدارة قطاع النفط، والتحقيق في أي شبهات تتعلق بإهدار المال العام أو استغلال النفوذ.
وهنا تبرز أهمية دور النيابة العامة والجهات الرقابية المختصة في فحص الملفات المالية والإدارية، والتحقق من مصادر الثروات التي تثير شبهات مشروعة، ومراجعة أداء المسؤولين عن إدارة المؤسسات والقطاعات الحيوية، كلٌّ في حدود اختصاصه، مع الالتزام بالضمانات القانونية وقرينة البراءة.
كما تقتضي حماية الثروة النفطية عدم الاكتفاء بملاحقة المخالفات بعد وقوعها، بل العمل على كشف أوجه القصور التي تسمح بتكرارها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي تجاوزات أو مخالفات وفقًا للقانون.
إن غياب الشفافية أو تأخر إعلان نتائج التحقيقات في القضايا المرتبطة بالمال العام يفتح المجال أمام التساؤلات والشكوك، ويؤثر سلبًا في ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، وهو ما يجعل تعزيز المساءلة ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
نحو استراتيجية متكاملة لحماية الثروة النفطية
إن مواجهة تهريب النفط واستنزاف الموارد الوطنية تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الإجراءات التقليدية، وتستند إلى إرادة مؤسسية حقيقية، من خلال مجموعة من المحاور الأساسية.
الشفافية وإتاحة المعلومات: ضرورة نشر بيانات واضحة ودورية بشأن معدلات الإنتاج والتصدير والإيرادات النفطية، بما يعزز الرقابة المجتمعية والمؤسسية، ويساعد على كشف أي تلاعب أو مخالفات.
تفعيل المساءلة والملاحقة القانونية: تعزيز دور الجهات القضائية والرقابية في التحقيق في قضايا التهريب والفساد، وملاحقة المتورطين وفقًا للقانون، والاستفادة من التعاون القضائي الدولي لاسترداد الأموال والأصول التي تثبت صلتها بجرائم مالية.
تطوير المؤسسات الرقابية: دعم استقلالية الأجهزة المعنية بالرقابة والمحاسبة، وتوفير الإمكانات اللازمة لها، وتعزيز التنسيق بينها وبين المؤسسات الأمنية والقضائية، بما يضمن سرعة التعامل مع المخالفات ومنع تكرارها.
إحكام الرقابة على القطاع النفطي: تطوير نظم متابعة عمليات الإنتاج والنقل والتخزين والتصدير والتوزيع، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تتبع حركة المنتجات النفطية، بما يحد من فرص التهريب والتلاعب.
إن حماية النفط الليبي ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكاتف مؤسسات الدولة والمجتمع، والعمل على حماية هذه الثروة من كل أشكال الاستغلال غير المشروع.
فاستمرار نزيف الموارد دون معالجة حقيقية يهدد فرص التنمية ويضعف قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها، بينما تمثل الشفافية والمحاسبة وتطبيق القانون الأساس لبناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الثروات الوطنية بكفاءة وعدالة.
إن مستقبل ليبيا الاقتصادي يرتبط بقدرتها على حماية ثروتها النفطية، وضمان وصول عائداتها إلى مستحقيها، وترسيخ مبدأ أن المال العام أمانة لا يجوز التفريط فيها، وأن المساءلة القانونية حق للمجتمع وواجب على مؤسسات الدولة.
د. ابريك المنقوش الزوي
الملحق الإعلامي للسفارة الليبية بالقاهرة

