في الأول من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمسنين، لكن الاحتفال الحقيقي بكبار السن لا ينبغي أن يتوقف عند كلمات التقدير أو حملات التوعية العابرة، وإنما يجب أن يكون مناسبة لإعادة النظر في سؤال أكثر عمقا؛ من هم كبار السن الذين نرعاهم؟ وأين يعيشون؟ وما احتياجاتهم الفعلية؟ ومن يحتاج إلى رعاية منزلية، ومن يحتاج إلى رعاية طويلة الأجل، ومن يحتاج إلى دعم نفسي أو اجتماعي أو تأهيلي، ومن يستطيع أن يظل منتجًا ومشاركًا في المجتمع؟
وهنا تبرز ملاحظة علمية مهمة ينبغي التوقف أمامها عند قراءة واقع كبار السن في مصر، وهي أن هناك اختلافًا في الفئة العمرية المستخدمة بين المجال الإحصائي والمجال القانوني، فالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يتعامل في نشراته السكانية مع فئة كبار السن باعتبارها الفئة التي تبدأ من سن 60 عامًا فأكثر؛ ولذلك بلغ عدد من هم في هذه الفئة نحو 9.8 مليون نسمة عام 2025، بما يمثل نحو 9.1% من إجمالي السكان. أما قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024 فقد جعل نطاق الحماية القانونية قائمًا على بلوغ 65 عامًا فأكثر، ومن ثم، فإن الفرق بين الرقمين لا ينبغي تفسيره باعتباره تناقضًا في البيانات، وإنما باعتباره اختلافًا في التعريف والغرض: فالإحصاء السكاني يرصد التحول الديموغرافي واتجاهات الشيخوخة السكانية ابتداءً من الستين، بينما يحدد القانون الفئة التي تخضع للأحكام والحقوق والآليات التي ينظمها تشريع حقوق المسنين.
غير أن هذه الفجوة التعريفية تطرح في الوقت نفسه سؤالًا بالغ الأهمية أمام التخطيط الاجتماعي والصحي: كيف نضمن ألا تتحول الاختلافات في التعريفات إلى فجوة في التخطيط أو الحصول على الخدمة؟ فالشخص الذي بلغ الستين، وفق التصنيف الإحصائي، يدخل بالفعل في مرحلة عمرية ترتبط بتحولات صحية واجتماعية واقتصادية متزايدة، حتى وإن لم يبلغ بعد السن المحدد قانونًا للاستفادة من بعض أحكام قانون حقوق المسنين. ولذلك فإن بناء السياسات العامة الأكثر دقة يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: حجم السكان في سن 60 عامًا فأكثر، والفئة التي ينطبق عليها التعريف القانوني عند 65 عامًا فأكثر، ثم الاحتياجات الفعلية للأفراد داخل كل فئة، والتي لا تحددها السن وحدها، وإنما تتداخل معها الحالة الصحية، والإعاقة، والدخل، والسكن، ونمط المعيشة، والحالة الأسرية، والحاجة إلى الرعاية طويلة الأجل.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الدولة المصرية انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مجرد التعامل مع الشيخوخة باعتبارها مسألة سكانية إلى بناء إطار دستوري وتشريعي ومؤسسي أكثر وضوحًا؛ فقد نص الدستور المصري في المادة 83 على التزام الدولة بضمان حقوق المسنين صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وترفيهيًا، وتوفير معاش مناسب يكفل لهم حياة كريمة وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة، ثم جاء قانون رقم 19 لسنة 2024 ليضع إطارًا تشريعيًا أكثر تفصيلًا لحقوق المسنين ورعايتهم. وهذه التطورات تستحق أن تُقرأ باعتبارها انتقالًا من الاعتراف العام بحقوق كبار السن إلى محاولة بناء منظومة أكثر تحديدًا للحقوق والخدمات والحماية؛ ويبقى التحدي المهني في المرحلة التالية هو عدم اصدار اللائحة التنفيذية منذ صدور القانون، حيث أن إصدراها يكون بمثابة إحكام الصلة بين النص التشريعي، والبيانات السكانية، والخدمات الفعلية، والتقييم العلمي للاحتياجات.
ومن هذا المنظور، فإن المؤسسات العلمية المتخصصة، ومنها معهد دراسات علوم المسنين بجامعة بني سويف، يمكن أن تؤدي دورًا يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى إنتاج المعرفة التي تحتاج إليها الدولة في تطوير سياساتها؛ إذ إن طبيعة المعهد متعددة التخصصات تتيح الربط بين الرعاية الطبية والتمريض والتغذية والدراسات النفسية والاجتماعية والعلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي والأنشطة والتأهيل، بما يجعل المعرفة العلمية أقرب إلى الاحتياجات المركبة للشيخوخة في المجتمع المصري.
وهنا أرى أن الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها في مناسبة اليوم العالمي لكبار السن هي أن مصر قطعت خطوات تشريعية ومؤسسية مهمة في الاعتراف بحقوق كبار السن، لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى مزيد من التكامل بين التعريف الإحصائي والتعريف القانوني والاحتياجات الاجتماعية والصحية الفعلية؛ لأن جودة السياسة الخاصة بكبار السن لا تقاس فقط بعدد من تشملهم القوانين أو بعدد مؤسسات الرعاية، وإنما بقدرتها على رؤية الإنسان في شيخوخته بوصفه فردًا له احتياجات وحقوق وقدرات وتجربة حياة، وبقدرتها على تحويل البيانات إلى خدمات، والبحوث إلى سياسات، والتشريعات إلى ممارسة يومية يشعر بها كبير السن وأسرته.
د. أمنية محسن تكتب…في اليوم العالمي للمسنين.. آمال وطموحات تتجاوز حدود الاحتفال إلى بناء مستقبل أكثر إنصافًا للشيخوخة
