مع نسائم الشهر الفضيل، يسعدنا أن نتقدم إلى شعبنا العظيم، وإلى أمتنا العربية والإسلامية، بخالص التهاني وأطيب الأمنيات بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، سائلين الله أن يجعله شهر خير وبركة وأمن واستقرار، وأن يعيده على وطننا الغالي وقد تحقق له المزيد من التقدم والرخاء.
يأتي رمضان كل عام حاملًا معه نفحات إيمانية خاصة، تعيد للروح صفاءها، وللنفس اتزانها، وللمجتمع تماسكه؛ فهو ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل محطة سنوية تتجدد فيها القيم، وتُختبر فيها معاني التضامن الحقيقي بين أبناء الوطن الواحد.
وإذا كان رمضان شهر العبادة، فهو أيضًا شهر المسؤولية الاجتماعية؛ فمع أول يوم صيام تبدأ في شوارعنا وقرانا ومدننا ملامح لوحة إنسانية فريدة، حيث تنتشر موائد الرحمن في الأحياء، وتصل الحقائب الغذائية إلى البيوت المستحقة، وتعمل أيادٍ خفية في صمت لتخفف عن كاهل الأسر الأولى بالرعاية.
هنا تتجسد قيمة التكافل بوصفها ركيزة أصيلة في مجتمعنا؛ فالصائم الذي يشعر بالجوع والعطش يدرك معنى الاحتياج إدراكًا عمليًا، فيتحول إحساسه إلى عطاء، ويصبح رمضان موسمًا تتلاقى فيه الإرادة الفردية مع الجهد المؤسسي، في مشهد يعكس حيوية المجتمع وقدرته على احتضان أبنائه.
وتبقى موائد الإفطار الجماعي واحدة من أبرز صور هذا التكافل؛ فهي لا تقدم طعامًا فحسب، بل تبعث برسالة وحدة ومساواة، حيث يجلس الجميع إلى مائدة واحدة، بلا فوارق ولا حواجز وفي تلك اللحظات تتعزز قيم الانتماء، ويشعر كل فرد أنه جزء من نسيج واحد لا يتجزأ.
كما تتسع دوائر العطاء لتشمل سداد ديون الغارمين، وكفالة الأيتام، ودعم المرضى، ومساندة العمالة غير المنتظمة، وتتكامل جهود مؤسسات الدولة مع مبادرات المجتمع المدني والقطاع الخاص، لتؤكد أن التكافل ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تُترجم إلى أفعال ملموسة.
ولا يمكن الحديث عن التكافل دون التوقف أمام الأسرة، باعتبارها النواة الأولى للمجتمع؛ ففي رمضان تتجدد صلة الأرحام، وتصفو القلوب، وتلتئم العائلات حول مائدة واحدة ودعاء واحد، ومن هذا التماسك الأسري تنطلق قوة المجتمع بأسره.
إن التحدي الحقيقي الذي يطرحه رمضان علينا كل عام هو: كيف نحول هذه الروح إلى ثقافة دائمة؟ وكيف نجعل من التكافل منهجًا مستمرًا لا يرتبط بزمان محدد؟ فالأوطان لا تُبنى فقط بالمشروعات والإنجازات، بل تُبنى كذلك بقيم الرحمة والتراحم والتضامن.
رمضان كريم… وكل عام وأنتم بخير.

