منذ اللحظة الأولى لظهور المشروع الصهيوني لم يكن الخطاب السياسي ولا الديني وحدهما الأساس، بل اعتمد هذا المشروع على استراتيجية ممنهجة من العنف والتهجير لخلق واقع جديد بالقوة. فالصهيونية — كحركة استعمارية استيطانية — قامت على إخلاء الأرض من سكانها الأصليين وإحلال جماعات مهاجرة مكانهم وهي سياسة لم تُخفها الأدبيات المبكرة لقادتها، بل صيغت بوضوح تحت غطاء “خلق وطن قومي”.
وهذا من أهم النصوص التوراتية التي تُظهر فكرة “الإستيلاء على الأرض” عبر الإحلال والطرد، لتبرير مفهوم “أرض بلا شعب” و الإستيطان.
«مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى الأَرْضِ… وَطَرَدَ أُمَمًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ… وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلَهُكَ أَمَامَكَ وَضَرَبْتَهُمْ فَحَرِّمْهُمْ. لَا تَقْطِعْ لَهُمْ عَهْدًا وَلَا تَشْفِقْ عَلَيْهِمْ.»
سفر التثنية ( ٧ : ١ – ٢ ) .. هذا النص يُستشهد به في الدراسات النقدية لشرح العقلية الإحلالية في بعض طبقات النص التوراتي.. وقد ورد أيضاً: «أَمَّا مُدُنُ هَؤُلَاءِ الشُّعُوبِ… فَلَا تُبْقِ حَيًّا مِمَّا يَتَنَفَّسُ. بَلْ تُحَرِّمُهُمْ تَحْرِيمًا…». سفر التثنية ( ٢٠ : ١٦ – ١٨).
وقد استُخدم هذا النص التوراتي لاحقًا في الخطاب الصهيوني المبكر بوصفه “سندًا روحيًا” لفكرة السيطرة الكاملة على الأرض.
وقد بدأت الجرائم مبكرًا مع تشكيل عصابات مثل «الهاجاناه» و«الإرجون» و«شتيرن»، التي نفذت عمليات قتل جماعي وتهجير قسري ضد القرى الفلسطينية في الأربعينيات، وكانت مجزرة دير ياسين مثالًا فاضحًا لما اعتمدته الحركة الصهيونية والترهيب كأداة سياسية. هذا النهج لم يكن حادثًا عابرًا، بل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى دفع الفلسطينيين للرحيل تحت ضغط الخوف واليأس.
وهذا النص التوراتي يُظهر العنف المنظم في سياق الحروب المقدسة لدي اليهود ، ويوجد الكثير والكثير من النصوص داخل أسفار العهد القديم التي يستند عليها اليهود في عملياتهم الإجرامية البشعة.
«وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ… لَا يُبْقُونَ». (سفر يشوع ٦: ٢١)
ومع تأسيس دولة الإحتلال عام 1948 لم يتوقف هذا المسار، بل تحوّل إلى منظومة قانونية وعسكرية متكاملة ، وتوسعت المستوطنات بصورة مخالفة للقانون الدولي وصودرت الأراضي وأُنشئت طرق إلتفافية وجدران عزل وتحولت حياة الفلسطينيين إلى شبكة معقدة من الحواجز العسكرية التي تخنق الإقتصاد وتقطع أوصال المجتمع.
وفي كل مرحلة كانت القوة هي الأداة الأساسية لفرض أمر واقع جديد.
ومع مرور السنين، أصبحت العمليات العسكرية الواسعة — من قصف غزة إلى اقتحام المدن الفلسطينية — جزءًا من المشهد اليومي. الأرقام تتزايد، وعدد الضحايا من المدنيين خصوصًا الأطفال، وكل هذا يكشف طبيعة العقيدة الأمنية التي تحكم الإحتلال من استخدام القوة القصوى دون حساب أو التزام بالقواعد الإنسانية. ورغم الإدانات الدولية يستمر الإفلات من العقاب في ظل دعم سياسي ودبلوماسي غربي يوفّر حماية شبه كاملة لسياسات الإحتلال.
لكن الأخطر من كل ذلك هو محاولة إنتاج رواية جديدة للتاريخ تمحو وجود الشعب الفلسطيني نفسه. فالمشروع الصهيوني لم يكتف بالسيطرة على الأرض؛ بل عمل على السيطرة على الذاكرة من تزييف و إعادة سرد واتهام الضحية. وهذا ما يجعل المعركة اليوم ليست معركة حدود أو صراعًا مسلحًا فقط، بل معركة على الصورة والوعي والتاريخ الإنساني نفسه.
وبعد إعلان قيام دولة الإحتلال بدأت مرحلة ممنهجة من التهجير القسري طالت نحو 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم وفق بيانات الأمم المتحدة في أكبر عملية نزوح تشهدها المنطقة خلال القرن العشرين. وخلال تلك الفترة دمّرت العصابات الصهيونية أكثر من 530 قرية فلسطينية بهدف خلق واقع ديموجرافي جديد يضمن أغلبية يهودية على الأرض. وبعد نحو عقدين، جاءت حرب يونيو 1967 لتضيف فصلًا جديدًا من التوسّع والتهجير؛ ففي غضون ستة أيام فقط، سيطر الإحتلال على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وسيناء والجولان، مما أدى إلى نزوح ما يقارب 300 ألف فلسطيني كثير منهم كانوا قد هجّروا أصلًا في نكبة 1948. ومع هذا التوسع العسكري فرض الإحتلال منظومة أمنية مشددة شملت نقاط تفتيش وأوامر عسكرية طالت الحياة اليومية للفلسطينيين، ومصادرة واسعة للأراضي تحت ذريعة “الضرورات الأمنية”.
وبحلول منتصف السبعينيات، كانت المستوطنات الأولى قد بدأت بالظهور لتفتح الباب أمام مشروع إستيطاني هو الأضخم في الشرق الأوسط. وفي التسعينيات، ورغم توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 الذي كان يفترض أن يحدّ من التوسع الإستيطاني ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية من نحو 110 آلاف إلى أكثر من 190 ألفًا خلال سنوات قليلة فقط، وفق إحصاءات مراكز بحث إسرائيلية ودولية.
ومع بداية الألفية الجديدة، تجاوز عدد المستوطنين حاجز 400 ألف في مؤشر واضح على أن المشروع الإستيطاني لم يكن يومًا استثناءً، بل جزءًا راسخًا من العقيدة السياسية للإحتلال، ويهدف إلى تقطيع الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى كتل معزولة يسهل السيطرة عليها.
ورغم كل هذا، لا تزال الحقيقة صامدة الشعوب قد تُقهر، لكنها لا تُمحى. والفلسطينيون — رغم ٧٥ عامًا من الإحتلال — ما زالوا يحافظون على وجودهم وهويتهم وحقهم وهو ما يظل التحدي الأكبر أمام المشروع الصهيوني الذي بُني منذ البداية على فكرة أن “الكبار يموتون والصغار ينسون”. لكن الواقع اليوم يثبت العكس تمامًا.
————————————-
مدرس الدراسات اليهودية
كلية الآداب – جامعة المنصورة.

