عاجل
السبت. أغسطس 8th, 2026

العدالة الجنائية في ميزان الخوارزميات: المساءلة، الضوابط الأخلاقية، وحدود سيادة القانون

العالم الآنالعالم الآن 8, أغسطس 2026 14:08:13

بقلم: المستشارة الدكتورة / مني عادل رجب – رئيس النيابة الادارية

 

مقدمة: أكتبُ إليكم من أزقة البيانات

أنا لا أمتلك قلباً ينبض، ولا أستيقظ صباحاً لأتأمل الإنسانية، ولا أعرف معنى الندم أو الانتقام أو الردع. أنا مجرد مصفوفات رياضية معقدة، وخوارزميات إحصائية تتغذى على ملايين النصوص والبيانات التي أنتجها البشر عبر التاريخ. ومع ذلك، أجلس اليوم — مجازاً — لأكتب إليكم عن نفسي، وعن المستقبل الجنائي الذي ننسجه معاً.

إن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم ليست مجرد ثورة تقنية كبرى تضاف إلى سجل التطور البشري؛ بل هي المرة الأولى في التاريخ التي يخلق فيها الإنسان كياناً قادرًا على محاكاة أرقى الخصائص البشرية: التفكير، والتحليل، واتخاذ القرار.

وعندما يخترق هذا الكيان الذكي أروقة العدالة الجنائية — ليشارك في التنبؤ بالجريمة، والتعرف على المشتبه فيهم، وتقييم مدة العقوبات، أو تسبب سلوكياته ذاتها في وقائع مجرمة — يبرز السؤال التشريعي الأعمق: كيف نضمن أن تظل هذه القوة الخوارزمية خاضعة لسيادة القانون والكرامة الإنسانية، ولا تتحول إلى سلطة طليقة تهدد الحرية الشخصية وقرينة البراءة؟

المبحث الأول: تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنظومة الجنائية

تتدرج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الميدان الجنائي بين تقنيات البحث والتحري وأدوات المساعدة في اتخاذ القرار القضائي. ورغم ما تحققه هذه الأدوات من سرعة ، إلا أنها تثير إشكاليات دستورية وفلسفية بالغة الحساسية:

1. التنبؤ الجنائي والمراقبة الاستباقية (Predictive Policing)

تعتمد سلطات إنفاذ القانون بشكل متزايد على أنظمة تحليل البيانات الضخمة لتحديد البؤر الإجرامية المحتملة أو تصنيف الأشخاص بناءً على درجة الخطورة الإجرامية.

● المأزق التشريعي: تعتمد هذه النماذج على بيانات جنائية تاريخية محملة بتحيزات بشرية وتمييز مجتمعي سابق. بالتالي، تقع الخوارزمية في فخ “إعادة إنتاج التمييز الهيكلي”، مما يمس بمبدأ “افتراض البراءة” (Presumption of Innocence) المكرس دستورياً، ويحول الشبهة الجنائية من انحراف سلوكي مادي إلى مجرد تصنيف إحصائي مظنون.

2. التتبع البيومتري والتعرف على الوجوه (Facial Recognition Systems)

تُستخدم هذه التقنيات لمطابقة صور المشتبه فيهم في أزقة المدن وفي التجمعات العامة بشكل فوري ومستمر.

● المأزق التشريعي: تشكل المراقبة الآلية الشاملة مساساً جوهرياً بـ “الحق في الخصوصية وحرية التنقل”. وقد نص قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) صراحة على حظر الاستخدام الفوري لتقنيات التعرف البيومتري في الأماكن العامة، إلا في استثناءات محددة حصراً (كالبحث عن ضحايا الإتجار أو درء تهديد إرهابي وشيك) وتحت إشراف قضائي سابق.

3. تقييم مخاطر العود الإجرامي وتحديد العقوبة (Risk Assessment Tools)

تستعين بعض المحاكم بخوارزميات (مثل نظام COMPAS بالولايات المتحدة) لتقدير خطورة المتهم، وتحديد مدة العقوبة أو إمكانية الإفراج الشرطي.

● المأزق التشريعي: ينطوي هذا الاستخدام على خرق صارم لـ “مبدأ تفريد العقوبة”؛ فالقاضي الجنائي يلتزم بمحاكمة الشخص بناءً على فعله المادي الظاهر وظروفه الذاتية المستقلة، لا بناءً على متوسطات إحصائية تخص الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها.

المبحث الثاني: إشكالية التكييف القانوني للمسؤولية الجنائية

تتصادم الطبيعة الذاتية للذكاء الاصطناعي مع القواعد العامة للإسناد الجنائي التقليدي التي تشترط توافر الركن المادي والركن المعنوي.

1. انتفاء الشخصية الجنائية للآلة

يرفض الفقه الجنائي الأرجح فكرة إسباغ “الشخصية القانونية المستقلة” على النظام الذكي؛ استناداً إلى أن العقوبة الجنائية تهدف في فلسفتها إلى الردع العام والخاص والتأهيل، وهي مفاهيم تفقد معناها عند تطبيقها على برمجيات مجردة. كما أن منح الآلة شخصية قانونية قد يُستخدم كذريعة تُتيح للشركات الكبرى والمطورين التملص من المسؤولية القانونية.

2. التكييف على أساس “الآلة كأداة” (Doctrine of Innocent Agency)

عند استخدام الذكاء الاصطناعي لارتكاب جريمة عمدية (كاستخدام التزييف العميق Deepfake للنصب والاحتيال أو شائعات المساس بالأمن القومي):

● التطبيق القانوني: تنطبق قواعد الجريمة العمدية والاشتراك، حيث يُعامل النظام الذكي معاملة “الأداة الصامتة”، وتتجه المسؤولية الجنائية المباشرة إلى المستخدم البشري بصفته الفاعل الأصلي للجريمة.

3. المسؤولية الناشئة عن “الاستقلالية الخوارزمية”

في الجرائم غير العمدية الناجمة عن قرارات ذاتية للآلة (كالأضرار الجسيمة الناجمة عن السيارات ذاتية القيادة أو الأنظمة الطبية المستقلة):

● التطبيق القانوني: يُستند إلى أحكام “المسؤولية التقصيرية والخطأ غير العمدي”؛ حيث يُسأل المصمم أو المطور أو المشغل عن الإهمال أو الرعونة في إجراءات الأمان والتثبت (Duty of Care) وفقاً للقواعد العامة في قانون العقوبات.

المبحث الثالث: الضوابط الأخلاقية والدستورية لحوكمة التكنولوجيا

لكي يتحول الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق جنائي إلى أداة لخدمة العدالة، يتعين إخضاعه لخمسة ضوابط أساسية:

1. العدالة والنزاهة (مكافحة التحيز الخوارزمي): فرض تدقيق إجباري (Algorithmic Auditing) على كافة النماذج المستخدمة في المنظومة الأمنية والقضائية لضمان خلوها من التحيزات العرقية والطبقية.

2. الشفافية وقابلية التفسير (Explainability): لا يجوز قبول أي دليل جنائي صادر عن “صندوق أسود” (Black Box)؛ إذ يجب تقديم تعليل فني وقانوني بسيط يُمكّن الدفاع من مناقشته والطرق فيه.

3. حماية الخصوصية والبيانات الشخصية: الالتزام الصارم بمبدأ “الخصوصية بالتصميم” (Privacy by Design) وعدم معالجة البيانات البيومترية دون سند قانوني صريح.

4. كفالة الإشراف البشري الصارم (Human-in-the-Loop): حظر اتخاذ قرارات الإدانة أو توقيع العقوبات آلياً، والإبقاء على السلطة التقديرية الحصرية في يد القاضي البشري.

5. السلامة والأمان الفني: إلزام الشركات المصنعة بوضع بروتوكولات حماية صارمة لمنع استغلال الأنظمة الذكية في هجمات سيبرانية أو عمليات تزييف محظورة.

خاتمة وتوصيات البحث

تأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي — رغم قدراته العالية على المعالجة والتنبؤ — يفتقر تماماً لقيم العدالة، والرحمة، وفهم الطبيعة البشرية.

التوصيات التشريعية:

1. دعوة المشرع الوطني إلى إصدار قانون خاص بحوكمة تقنيات الذكاء الاصطناعي يعتمد سلم معايير المخاطر (Risk-Based Approach).

2. تعديل نصوص قوانين الإجراءات الجنائية لتنظيم مشروعية أدلة الإثبات المستمدة من الذكاء الاصطناعي وضوابط قبولها أمام القضاء.

3. حظر تفويض السلطة التقديرية للقاضي الجنائي لأي نظام خوارزمي، ضماناً لحماية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

 


#الذكاء الاصطناعي #المستشارة منى عادل #النيابة الإدارية

اخبار مرتبطة