تواجه كثير من الأسر تحديات يومية تتعلق بمتابعة المذاكرة والواجبات المدرسية، وتنظيم أوقات الأبناء، والتعامل مع إصرارهم على استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وهي تحديات قد تحول الحياة داخل المنزل إلى سلسلة من الخلافات اليومية بين الأمهات والأبناء، وتضع الأم تحت ضغوط متواصلة في محاولة منها لتحقيق التوازن بين التحصيل الدراسي والاستقرار النفسي لأطفالها.

وفي هذا السياق، تحاور «العالم الآن» أمنية أبو عميرة، الخبيرة التربوية والأسرية والمؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي، التي يتجاوز عدد متابعيها 500 ألف متابع عبر مختلف المنصات، للتعرف على أبرز المشكلات التربوية والتعليمية التي تواجه الأسر، والوقوف على أفضل الطرق للتعامل معها بعيدا عن الصراخ وكثرة الأوامر والخلافات المتكررة.
وتقدم أبو عميرة، خلال الحوار، مجموعة من النصائح والإرشادات العملية التي تساعد الأمهات على إدارة الحياة الدراسية لأبنائهن بصورة أكثر هدوءا وفاعلية، من خلال بناء روتين يومي واضح، وتعزيز إحساس الطفل بالمسؤولية، وفهم الأسباب التي تقف وراء رفض المدرسة أو مقاومة المذاكرة، إلى جانب وضع قواعد متوازنة لاستخدام الشاشات، والتعامل مع الضغوط التي تواجه الأم دون الشعور المستمر بالتقصير.
فى البداية سألناها
من الزن إلى المسؤولية.. كيف نغيّر علاقة الطفل بالمذاكرة؟
بعد انتظام الدراسة، تجد أمهات كثيرات أنفسهن مضطرات إلى تذكير الأبناء بالمذاكرة والواجبات طوال اليوم. كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة؟
أمنية أبو عميرة: الزن المستمر بيخلي المذاكرة تتحول من مسؤولية الطفل إلى معركة بينه وبين أمه. ومع تكرار عبارة «ذاكر» طوال اليوم، ممكن ينشغل الطفل بمقاومة الأوامر أكثر من انشغاله بالمهمة المطلوبة منه.
الأفضل إن الأم تساعد طفلها على تكوين روتين واضح للمذاكرة، يعرف من خلاله إمتى يبدأ، وهيذاكر إيه، وإمتى يخلص. وممكن نستخدم ساعة رملية لتحديد فترة المذاكرة، ونقسم الوقت إلى فترات مناسبة تتخللها استراحات قصيرة.
كمان ممكن ندي الطفل اختيارات بسيطة داخل الإطار المتفق عليه، زي إنه يختار المادة اللي هيبدأ بيها، أو يحدد ترتيب المهام اللي هينجزها. بالطريقة دي، هيشعر إن له دورا في تنظيم وقته، بدلا من إنه يكون مجرد متلق للأوامر.
والأهم إننا نسيب له مساحة يعتمد فيها على نفسه بالتدريج، بما يتناسب مع عمره وقدراته، علشان يتعلم إن المذاكرة مسؤولية تقع عليه، وإن دور الأم هو التوجيه والمساندة، مش إنها تعمل كل حاجة نيابة عنه.

س: ما أهمية تنظيم اليوم الدراسي للطفل، خاصة مع تكرار الخلافات حول مواعيد النوم والاستيقاظ والواجبات؟
أمنية أبو عميرة: الطفل محتاج نظام واضح يشعره بالاستقرار، لكن النظام ده لازم يكون واقعيا وقابلا للتطبيق، مش قائمة طويلة من التعليمات اللي يصعب الالتزام بيها.
من المهم تحديد مواعيد مناسبة وثابتة قدر الإمكان للنوم والاستيقاظ، وتخصيص وقت للمذاكرة، ووقت تاني للراحة واللعب والأنشطة اللي بيحبها الطفل. كمان تجهيز مستلزمات المدرسة والاتفاق على مهام اليوم التالي من بالليل بيساعد على تقليل الارتباك والضغط الصباحي.
والأهم إن الأم ما تبدأش يومها بالصراخ أو تكرار الأوامر زي «بسرعة» و«هتتأخر»، لأن الطفل ممكن يبدأ يومه وهو حاسس إنه داخل سباق، بدل ما يبدأه بهدوء واستعداد.
الهدف مش إن اليوم الدراسي يكون مثاليا، لكن إنه يكون منظما ومتوقعا بدرجة تساعد الطفل على أداء مسؤولياته من غير ما يشعر إن حياته كلها بقت دراسة وأوامر.
والأم نفسها محتاجة تحاول الالتزام بالنظام اللي بتحطه، لأن الطفل بيتعلم من سلوكنا بقدر ما بيتعلم من كلامنا، ومش مطلوب إن كل حاجة تنجح من أول يوم، لكن المهم الاستمرار والمحاولة.

س: كيف تتعامل الأم مع طفل يكرر أنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة، أو يرفض أداء واجباته رغم انتظام الدراسة؟
أمنية أبو عميرة: مهم جدا إننا ما نتعاملش مع الرفض باعتباره مجرد عناد، وما يكونش ردنا التلقائي: «مفيش حاجة اسمها مش عايز». الأفضل إننا نحاول نفهم السبب، ونسأل الطفل بهدوء: «إيه أكتر حاجة مضايقاك في المدرسة؟» أو «إيه اللي بيصعّب عليك المذاكرة؟».
رفض المدرسة ممكن يكون وراه صعوبة في التعامل مع الزملاء، أو قلق من الانفصال عن الأم، أو تجربة مزعجة حصلت للطفل، أو صعوبة في مادة دراسية بتخليه يشعر بالعجز أو الخوف من الفشل.
أما مقاومة المذاكرة، فممكن ترتبط بالإرهاق، أو عدم فهم المطلوب، أو طول فترة الجلوس، أو تعود الطفل على وجود الأم بجانبه طوال الوقت.
علشان كده، بدل ما أحارب الرفض، أحاول أفهم هو بيقول لي إيه. لأن فهم السبب هو الخطوة الأولى للتعامل مع المشكلة بصورة صحيحة.
ولو الرفض استمر، أو صاحبه ضيق واضح أو تغير ملحوظ في سلوك الطفل، فمن المهم التواصل مع المدرسة، والاستعانة بمختص عند الحاجة، بدل ما نكتفي بالضغط على الطفل وإجباره على الاستمرار من غير ما نعالج السبب.

س: ما الطريقة الأفضل للتعامل مع الأطفال الذين يرفضون ترك الهاتف أو الألعاب الإلكترونية من أجل المذاكرة؟
أمنية أبو عميرة: من أكبر الأخطاء إننا نفتكر إن الحل هو سحب الموبايل فجأة، وبعدها ندخل في نقاش طويل أو مواجهة متكررة كل يوم.
الأفضل يكون فيه نظام واضح ومعلن لاستخدام الشاشات، الطفل يعرف من خلاله إمتى مسموح له يستخدمها، وإمتى الوقت بينتهي، وإيه البدائل المتاحة بعد كده.
القواعد لازم تكون مناسبة لعمر الطفل، وتتطبق بهدوء وثبات. وممكن الطفل يزعل لما وقت الاستخدام يخلص، وده طبيعي، لكن زعله مش معناه إن القاعدة غلط، ولا معناه إننا لازم نتراجع عنها في كل مرة.
كمان مهم نوفر بدائل حقيقية، زي اللعب والحركة والقراءة والأنشطة المشتركة مع الأسرة، علشان الموبايل ما يكونش مصدر الترفيه الوحيد المتاح أمام الطفل.
والأهم إن الأم ما تدخلش في شد وجذب يومي؛ لأن الهدف مش إننا نكسب كل معركة، لكن إن الطفل يتعلم تدريجيا احترام القواعد وتنظيم وقته.

س: هل تختلف طريقة التعامل مع المراهقين في تنظيم استخدام التكنولوجيا والالتزام بالدراسة؟
أمنية أبو عميرة: بالتأكيد، لأن المراهق محتاج مساحة أكبر من المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياته.
بدل ما يكون الموضوع أوامر وعقوبات، الأفضل إن الأم تشارك ابنها في الاتفاق على وقت استخدام الهاتف، ومواعيد المذاكرة، والمسؤوليات اللي لازم ينجزها، مع وضع حدود واضحة ومتفق عليها.
لما المراهق يشارك في الاتفاق، بيكون عنده فرصة أكبر إنه يشعر بالمسؤولية تجاه قراراته، ويتعلم إزاي ينظم وقته ويوازن بين الدراسة والراحة والتكنولوجيا.
الهدف النهائي مش إن الأم تفضل تنبه وتعاقب وتزعق، لكن إن المراهق يتعلم إدارة وقته واستخدام التكنولوجيا بمسؤولية، ويكون عنده قدر من الاستقلالية يساعده في المراحل المقبلة من حياته.
وده طبعا مش معناه غياب المتابعة أو ترك الأمور من غير قواعد، لكن معناه إن المتابعة تتطور مع عمر الطفل، وتتحول تدريجيا من السيطرة الكاملة إلى التوجيه وبناء المسؤولية.

س: ماذا تفعل الأم التي تشعر بأنها استنفدت طاقتها بسبب متابعة المذاكرة والواجبات والخلافات اليومية؟
أمنية أبو عميرة: أول حاجة، الأم لازم تعرف إنها مش مطالبة تكون مثالية طوال الوقت، وإنها مش في امتحان يومي لازم تثبت فيه إنها بتعمل كل حاجة صح.
لو اتعصبت في يوم وارتفع صوتها بسبب الضغوط، ده مش معناه إن كل اللي بتعمله ضاع. ولو ابنها قاوم أو اتأخر أو ما التزمش بالخطة المتفق عليها، ده مش معناه إنها فشلت.
الأفضل إنها تتوقف شوية، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتختار مشكلة واحدة تشتغل عليها بدل ما تحاول تصلح كل حاجة مرة واحدة.
ممكن تبدأ بتنظيم مواعيد النوم، أو تقليل الخلافات حول المذاكرة، وبعدها تنتقل تدريجيا لبقية المشكلات. ومهم كمان إنها تفرق بين المسؤوليات اللي لازم الطفل يتعلم يتحملها بنفسه، والحاجات اللي فعلا محتاجة تدخلها ومساعدتها.
الأم مش مطلوب منها تشيل كل المسؤوليات نيابة عن ابنها، لكنها تساعده يتعلم إزاي يتحملها بالتدريج.
وفي النهاية، نجاح التربية مش معناه إن مفيش خلافات أو إن الطفل هيلتزم بكل حاجة من أول مرة، لكن معناه إننا بنساعده يتعلم وينمو ويكتسب مهارات جديدة، في بيئة أسرية فيها نظام ودعم وهدوء.

س: ما الرسالة التي توجهينها للأمهات اللواتي يشعرن بأنهن لا يستطعن الاستمرار في مواجهة الضغوط اليومية؟
أمنية أبو عميرة: عايزة أقول لكل أم إنك مش مطالبة تصلحي كل حاجة في يوم واحد، ومش مطلوب منك تكوني أم مثالية علشان تكوني أم ناجحة.
خدي خطوة واحدة كل مرة، وركزي على المشكلة الأكثر تأثيرا في بيتك، وحاولي تتعاملي معاها بهدوء واستمرار. ادي ابنك فرصة يتعلم ويجرب ويغلط، وساعديه يتحمل مسؤوليته بالتدريج.
افتكري إن الهدف مش مجرد إن الواجب يخلص أو إن الموبايل يتقفل، لكن إن ابنك يتعلم تنظيم وقته، وتحمل مسؤولياته، والتعامل مع التزاماته بصورة أفضل.
وكل ما قدرنا نوازن بين الحزم والاحتواء، وبين النظام والمرونة، هنقدر نبني علاقة أفضل مع أولادنا، ونساعدهم ينجحوا دراسيا ونفسيا، من غير ما تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معارك مستمرة داخل البيت.


